كل مقالات شفيق اكّريكّر

نصوص لدرس الشخص- مفارقات وحدود التأسيس الكانطي لقيمة الشخص

اقرأ هنا نصا آخر لطوم ريغان:ولكن، لماذا يتعين معاملة الكائن البشري كغاية لا كوسيلة؟
اقرأ هنا نصا لجون لوك: تكمن هوية الشخص في الوعي ليس في أي جوهر، مادي او لامادي
اقرأ هنا نصا للروائي إحسان عبد القدوس:من أنا؟ أكاد أجن أو إلغاء الفرد
وهنا ثلاث نصوص لشوبنهاور من أجل الإجابة لماذا تكمن الهوية في الإرادة

إشكال النص: ما الذي ينطوي عليه الكائن البشري ويشكل له هذه القيمة الأصلية ؟ ‏

tom_reganطوم ريغان Tom Regan فيلسوف أمريكي معاصر ولد في 28 نونبر 1938 بمدينة بيطسبورغ بولاية بنسيلفانيا. مهتم بموضوع "حقوق الحيوان" وهو موضوع كتابه الشهير: "قضية حقوق الحيوان"
تنتمي فلسفة طوم ريغان إلى التقليد الكانطي، لكن في حين يؤسس كانط القيمة المطلقة التي نعزوها إلى الكائنات البشرية على خاصية العقل التي تتمتع بها هذه الكائنات،فإن طوم ريغان يعتبره تأسيسا غير كاف، وحجته في ذلك أننا ملزمون باحترام القيمة المطلقة لكائنات بشرية غير عاقلة مثل الأطفال وكذا الذين يعانون من عاهات عقلية جسيمة
وعليه فإن الخاصية الحاسمة والمشتركة بين الكائنات البشرية ليست هي العقل، بل كونهم يحيون حياة يعنيهم أمرها، بحيث ان مايحدث لنا يعنينا نحن بالدرجة الأولى بغض النظر عما إذا كان يعني شخصا آخر أم لا "

النص:
من السهل تقديم نظرية أخلاقية جديدة، ولكن من الصعب تبرير أسسها وتقديم مسوغات كافية لإقناعنا بوجوب تبنيها(…)
[ينطبق ذلك على التصور الكانطي]ا فرغم مايتمتع به هذا التصور من عمق وحصافة، وبالرغم من استلهامي إياه، فإنه لايخلو من تناقضات ومفارقات بعضها في اعتقادي عويص يصعب حله؛ سأكتفي هنا بإثارة أهم هذه المفارقات من خلال السؤالين التالين: "ماهي الكائنات البشرية التي تستحق صفة الشخص؟ وماذا يترتب أخلاقيا إذا ما أجبنا على مثل هذا السؤال من منظور كانطي؟
نبدأ بالجلي الواضح: ليس كل إنسان شخصا بالمعنى الكانطي. فالبويضة المخصبة حديثا، والمرضى الذين دخلوا حالة الغيبوبة (الكوما) الدائمة يظلون بشرا، لكنهم ليسوا أشخاصا وفق التعريف الكانطي؛ ونفس الحكم ينسحب أيضا على حديثي الولادة وعلى الأطفال حتى سن معينة، تضاف إليهم كل الكائنات البشرية التي تفتقد لهذا السبب أو ذاك القدرات الفكرية التي بموجبها يعرف كانط الشخص البشري. إن هؤلاء جميعا تعوزهم الخاصية الأخلاقية المميزة للشخص، فيفقدون بالتالي الحق في الاحترام. فكيف تستطيع النظرية الكانطية إثبات خطئنا لو أننا عاملنا أحد هذه الكائنات البشرية – الذي ليس شخصا – كمجرد وسيلة!
يتضمن الجواب الذي أقدمه هنا تخليا عن التصور الكانطي للشخص كمعيار للقيمة الأصلية للكائن البشري وتعويضه بفكرة(…) "الذوات التي تستشعر حياتها".Subject-of-life دعوني أشرح لكم المقصود بذلك:
لقد أضاف وجود الإنسان الوعي إلى ظاهرة الحياة، هذه الإضافة التي لم يستطع العلم حتى اليوم تفسيرها بشكل مقنع، ومع ذلك يظل المعطى قائما: نحن لانوجد في العالم فحسب، لكننا على وعي بهذا الوجود أيضا، بل وعلى دراية بما يعتمل في "الداخل" أي في عالم المشاعر والمعتقدات والرغبات. وبهذا المعنى، فنحن أكثر من مجرد مادة حية، إننا شيء مختلف عن النبات الذي يحيا ثم يموت أيضا مثلنا. إننا ذوات حية تستشعر حياتها، كائنات لها سيرة وتاريخ biography لا مجرد جسم تدرسه البيولوجيا biology
وما يزيد اللغز غموضا هو أن هذه الحياة التي نعيشها ونختبرها هي وحدة ونظام وليست مجرد ركام وفوضى: فوراء مشاعرنا ومعتقداتنا ورغباتنا توجد وحدة سيكلوجية، بعبارة أخرى فالمشاعر لا تنتمي إلى الشخص "أ" بينما تنتمي المعتقدات إلى الشخص "ب" فيما تعود الرغبات إلى الشخص "ج".
وعلى ضوء انتماء هذا الكل إلى نفس الفرد المتمايز عن الآخرين نستطيع أن نفهم كيف تشكلت سيرتي وقصة حياتي الفريدة عبر الزمن، وكيف أن قصة حياة كل واحد منا مختلفة عن الآخر.
[أخلص إلى القول أن قيمتنا وحقوققنا نابعة من كوننا] ذواتا نحيا حياة يمكن أن تتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إلينا بشكل مستقل منطقيا عن أي تقييم لنا من قبل أي أحد آخر او اعتباره إيانا نافعين، ولا أقصد مما سبق أن الآخرين لا يستطيعون الإسهام فيء أو الانتقاص من، قيمة حياتنا . بل على العكس، إن الخيرات الكبرى للحياة (الحب، والصداقة، وعموما ، الشعور بالرفقة) وشرورها الكبرى (الكراهية والعداوة والعزلة والاغتراب) كلها تشتمل على علاقاتنا بالأشخاص الآخرين؛ فما أقصده، بدلا من ذلك، أن كوننا ذواتا نحيا حياة هي في مختلف الظروف لأجلنا لا يعتمد منطقيا على ما يفعله الآخرون أو لا ‏يفعلونه لنا . (…)
كلنا إذن متساوون من حيث قدرتنا على استشعار النعيم، وهذا مايجعل كل واحد منا مكافئا للآخر بغض النظر عن الجنس، الذكاء، الطبقة، السن، الديانة، مسقط الرأس، الموهبة أو المساهمة الاجتماعية
ومن منظور الحقوق الذي أتبناه، فإن كون االفرد "ذاتا تستشعر حياتها" هي القاعدة التي بموجبها يمتلك القيمة الأصيلة، وكل من يحقق هذا الشرط يلزمنا بواجب مباشر في معاملته باحترام، وبعبارة أخرى فنظرية الحقوق تعترف للكائنات البشرية المقصاة بموجب المعيار الكانطي – تعترف لها بحقوق أخلاقية: كالأطفال أو بصفة عامة كل كائن بشري مهما كان سنه ممن يعانون عاهات تمنعهم من أن يكونوا أشخاصا، لكنهم يحققون بامتياز شرط " الذات التي تستشعر حياتها" لأن كل واحد منهم يحيى حياة يمكن أن تتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إليه
[بيد اني مضطر للإعتراف ]بأن نظرية الحقوق التي أتيت على ذكرها لاتبدد كل الغموض، وككل نظرية تتناول المعايير الأخلاقية، فإن نظريتي تواجه تحديات جدية، بعضها مماثل للتحديات التي طرحتها على التصور الكانطي آنفا! بعض البشر ليسواأشخاصا حسب كانط، ولكن بعضهم أيضا ليس " ذاتا تستشعر حياتها" وفق نظريتي مثل البويضة المخصبة حديثا والمواليد بدون دماغ أو بوظائف دماغية تتجاوز بالكاد وظائف النخاع الشوكي
هل يعني ذلك أن هذه الكائنات البشرية لاتمتلك أي قيمة أو حق في أن تعامل باحترام؟ إن نظرية الحقوق تترك السؤال مفتوح، ذلك أني اقترحت معيار " الذات التي تستشعر حياتها" كمعيار كاف وليس كمعيار حصري . بمعنى أن الذين يتحقق فيهم هذا الشرط يحوزون قيمة أصيلة، ولكن هل هم الفئة الوحيدة التي تحظى بهذه القيمة؟ هذا سؤال تتركه نظريتي مفتوحا
المصدر:Tom Regan & Cal Cohen, The animal right debate. Rowman & Littlefield, 2001 pp:191-203
Facebooktwitterredditmailby feather

لماذا يتعين معاملة الكائن البشري كغاية لا كمجرد وسيلة

نص:لماذا يتعين معاملة الكائن البشري كغاية لا كوسيلة؟!!

إشكال النص: ما الذي ينطوي عليه الكائن البشري ويشكل له هذه القيمة الأصلية ؟ ‏

توم ريغان طوم ريغان Tom Regan فيلسوف أمريكي معاصر ولد في 28 نونبر 1938 بمدينة بيطسبورغ بولاية بنسيلفانيا. مهتم بموضوع "حقوق الحيوان" وهو موضوع كتابه الشهير: "قضية حقوق الحيوان"
تنتمي فلسفة طوم ريغان إلى التقليد الكانطي، لكن في حين يؤسس كانط القيمة المطلقة التي نعزوها إلى الكائنات البشرية على خاصية العقل التي تتمتع بها هذه الكائنات،فإن طوم ريغان يعتبره تأسيسا غير كاف، وحجته في ذلك أننا ملزمون باحترام القيمة المطلقة لكائنات بشرية غير عاقلة مثل الأطفال وكذا الذين يعانون من عاهات عقلية جسيمة
وعليه فإن الخاصية الحاسمة والمشتركة بين الكائنات البشرية ليست هي العقل، بل كونهم يحيون حياة يعنيهم أمرها، بحيث ان مايحدث لنا يعنينا نحن بالدرجة الأولى بغض النظر عما إذا كان يعني شخصا آخر أم لا "

النص:
(…) يستمر السؤال ضاغطا علينا . هل للحيوانات الحق في عدم الأذى ؟ ‏ليس هذا بسؤال يسير الإجابة. (…)
‏نبدأ بالتساؤل حول مبرراتنا للتفكير في أن الكائنات البشرية تمتلك الحق الخلقي في عدم الأذى؟ وعن ثم نمضي للتساؤل، استنادا إلى هذه المبررات، إن كان ثمة أساس للقول بأن الحيوانات تمتلك هذا الحق أيضا . دعونا الآن نرجع إلى فكرة أن الكائنات البشرية الفردية تمتلك هذا الحق وأنه، ماعدا في الحالات المتطرفة، يبز المصلحة الجماعية. لماذا ؟ ‏ما الذي في الكائن البشري لنشير إليه ونقول: "لهذا يجب عليك ألأ تؤذي الفرد حتى لو أن ذلك يفيد الجماعة؟" ‏يكمن لب الجواب، كما أرى، في الاعتقاد أن الكائنات البشرية تمتلك نوعا محددا من القيمة، القيمة الأصلية. وأقصد بذلك أن كل كائن بشري يمتلك قيمة مستقلة منطقيا عن كونه ذا قيمة لأي شخص آخر (أو بمعنى مطابق ربما، مستقلة عن كونه موضع مصلحة أي شيء آخر) .
لا أرى أي مبرر، من وجهة نظر خلقية، لاحترام شيء ما حي، لكن لا إحساس واع لديه وبالتالي لا يستطيع الشعور بأي مسرة أو ألم، متعة أو معاناة، إلا القول إنه ربما لديه إمكان لأن يصبح كائنا حاسة واعيا، على غرار الجنين. فإذا كانت الأوراق والأشجار لا قدرة لها على الشعور بالمسرة أو الألم فلماذا لا ينبغي علي انتزاع ورقة من شجرة ؟ ‏ولماذا يجب أن احترم موضعها بأكثر مما أفعل _لنسبة إلى حجر يعترض طريقي، إذا لم يكن ثمة شخص أو كائن حاس ينتفع أو يتأذى من إزالتي له؟
فالنظرة القائلة إن الكائنات البشرية تمتلك قيمة أصلية تستلزم أن نوع القيمة الممكن عزوها كما ينبغي إليهم ليس نوعا أداتيا على وجه الحصر. فالبشر يمتلكون قيمة ليس لمجرد، وليس ماداموا ملائمين لشيء ما . إن قيمتهم متميزة عن نفعهم ومهارتهم.
‏إذا صح هذا نستطيع أن نوضح، بعبارات عامة مستذكرين كانط، ما الذي تتضمنه المعاملة السيئة للكائنات البشرية. تساء معاملة البشر إذا اعتبروا ذوي قيمة فقط عندما يعززون مصالح كاشنات أخرى. إن معاملة كائن بشري على هذا النحو ينم عن الافتقار إلى احترام لائق لنوع القيمة التي يمتلكها البشر. وبعبارات كانط، إن ما له قيمة بذاته يجب أن يعامل دائما كغاية، وليس أبدا كمجرد وسيلة. ولكن، هذا هو بالضبط ما نقوم به عندما نؤذي فردا بحيث إن الآخرين ربما يحصلون على متعة أو فائدة؟ أي أننا نعامل الفرد كمجرد وسيلة، ذات قيمة بقدر ما يسهم في المصلحة الجماعية.
‏والآن، إذا قبلنا المسلمة التي فحواها أن الكائنات البشرية تمتلك قيمة أصلية نستطيع المتابعة والتساؤل عن كيفية إقحام الحقوق في الصورة. تقتحم الحقوق الصورة لأنها تستند إلى القيمة الأصلية. وبكلمات أخرى، إن الأفراد الذين يمتلكون قيمة أصلية هم الذين يمتلكون الحق في ألا تتم معاملتهم بأساليب تنكر عليهم هذا النوع من القيمة. فبدلا من ربط الحقوق بقيمة العواقب الجيدة أو السيئة على الأفراد، وبدلا من تسويغ الحقوق بالمنفعة العائدة عليهم، يتم تأسيس !لحقوق على قيمة الأفراد . وبالتالي، في حالة الحق في عدم الأذى، نقول إن الأفراد الذين يمتلكون قيمة أصلية يمتلكون الحق في عدم الأذى الذي يحول دون معاملتهم كمجرد وسيلة. إن اعتبارهم وسيلة سوف يفشل في معاملتهم وفق مقتضيات الاحترام الذي هم أهل له بمقتضى نوع القيمة التي يمتلكونها .
‏والآن، من المؤكد أن ما سبق ليس وصفا دقيقا للنظرة القائلة بأن الأفراد الذين يمتلكون قيمة أصلية يمتلكون حقوقا خلقية أساسية، خصوصا الحق في عدم الأذى. شيء واحد تم إغفاله وذو أهمية خاصة: ما الذي ينطوي عليه الكائن البشري ويشكل له هذه القيمة الأصلية ؟ ‏إن أي إجابة ستكون مدعاة للخلاف، وأي دفاع يؤازر الجواب الذي اقترحه هنا غير ممكن. ها هو الجواب الذي أقدمه: الكائنات البشرية ليسوا أحياء فحسب، إنهم يمتلكون حياة . وفوق ذلك، إننا موضوعات لحياة هي في مختلف الأحوال لأجلنا، وهذا مستقل منطقيا عن أي تقييم لنا من قبل أي أحد آخر أو اعتباره ‏لنا نافعين.
‏ولا أقصد مما سبق أن الآخرين لا يستطيعون الإسهام في، أو ‏الانتقاص من، قيمة حياتنا. بل على العكس، إن الخيرات الكبرى للحياة (الحب، والصداقة، وعموما، الشعور بالرفقة) وشرورها الكبرى (الكراهية والعداوة والعزلة والاغتراب) كلها تشتمل على علاقاتنا بالأشخاص الآخرين. فما أقصده، بدلا من ذلك، أن كوننا موضوع لحياة هي في مختلف الظروف لأجلنا لا يعتمد منطقيا على ما يفعله الآخرون أو لا يفعلونه لنا . وأعتقد أن هذه الحقيقة تقدم لنا الإضاءة التي نلتمسها . فالبشر يمتلكون قيمة أصلية لأننا بذواتنا موضوعات لحياة هي، إلى حد كبير أو قليل، ذات قيمة لنا . وبإيجاز:
إن الكائنات البشرية تمتلك قيمة أصلية لأن كل فرد، بشكل مستقل منطقيا عن مصالح الآخرين، موضوع لحياة هي في مختلف الأحوال لأجل ذلك الفرد . ونظرا لهذا النمط من القيمة الذي يمتلكه البشر، من الخطأ (أي علامة على عدم احترام وعلى انتهاك الحقوق) معاملة البشركما لو أن قيمتهم تنحصرفي كونهم مجرد وسيلة (مثلا، أن نستخدم البشر لمجرد زيادة ملذات الجماعة). وعلى الخصوص، إن إيذاء الكائنات البشرية لأجل منفعة أو متعة أي جماعة هو انتهاك لحقهم في عدم الأذى.
‏ينبثق الآن سؤال يخص إمكان تطوير هذا المحور ذاته من النقاش في حالة الحيوانات. وهذا ممكن على الأقل في حالة تلك الحيوا نات التي هي موضوعات لحياة هي لأجلهم، في مختلف الظروف، ومستقلة منطقيا عن تقييم أي أحد آخر. وليس ثمة أي شك عقلاني في أن عددا هائلا من أنواع الحيوانات يصح عليها ذلك… إنهم أيضا يمتلكون نوعا متميزا من القيمة بحكم حقهم الذاتي، ولذلك أيضا يمتلكون الحق في ألا يعاملوا بأساليب تفشل في احترام هذه القيمة. وعلى غرار البشر، لن يكون مسوغا تجاوز هذا الحق وتعريضهم للأذى لمجرد زيادة منافع أو ملذات الآخرين.
Facebooktwitterredditmailby feather

نص: أيتها الدابة! لم لا تحدثني عن سعادتك!؟

نص: أيتها الدابة! لم لا تحدثني عن سعادتك!؟

إشكال النص: ماعسى سعادة الحيوان تخبرنا بشأن سعادة الإنسان ؟ ‏

تقديم النص:
هذا نص نيتشوي جميل وممتع في آن. أما عنوانه فقد اقتسبته تقريبا من جملة واردة في النص نفسه
وقد قررت قراءته مع تلامذتي في إطار درس السعادة، ورغم أنني لا أعرف بالضبط في أي محور سأحشره !! فلا أقل من أن نستمتع بقراءته.
في النص التالي يعرض نيتشه لفكرة مألوفة لدى قارئه وهي مفهوم النسيان الذي تقدم الجينالوجيا نفسها كترياق له أو بالأحرى لمفعولاته: نسيان الأصل، الأوهام التي يحيلها النسيان إلى حقائق، نسيان التشكلات الأولى للمفاهيم والمقولات الأخلاقية…
يوجد النسيان إذن دوما في قفص الاتهام عند نيتشه. غير أنه متهم هنا كغياب! بحيث تصبح تعاسة الإنسان نتيجة مباشرة لعجزه عن النسيان، فيتحول إلى كائن يعيش دوما تحت وطأة الماضي والذاكرة ، ملتفتا إلى الوراء، غافلا عما في اللحظة والحاضر من إمكانيات السعادة
إليكم هذا النص الذي لايخلو من طرافة ! حيث تظهر مواهب نيتشه كمؤلف مسرحي حين ينسج ذلك الحوار الفلسفي العميق بين الدابة والإنسان
قطيع أغنام يرعى

النص:
تأمل القطيع الذي يمر أمامك وهو يرعى، إنه لايعرف ماحدث بالأمس وما يحدث اليوم: فهو يجري هنا وهناك ويأكل ويرتاح ثم يجري من جديد من الصباح إلى المساء وعلى مر الأيام سواء أكان مسرورا أو منزعجا: إنه مشدود إلى موثق اللحظة بحيث لا يعبر عن كآبة أو ملل. إن الإنسان لا يرى شيئا من هذا القبيل لأنه يختال أمام الدابة رغم غيرته من سعادتها هاته، فما تحياه الدابة من عدم اكتراث بالتقزز والألم، وهو مايريده الإنسان، ولكنه يريده على نحو آخر لأنه لايستطيع أن يريد مثل الدابة. وربما يخطر بباله يوما ما ام يسأل الدابة: ” لماذا لا تحدثيني عن سعادتك ولماذا تكتفين بالنظر إلي فقط؟” وتهم الدابة بالجواب والقول: ” إنني أنسى في كل مرة ما أنوي قوله”. ولكن في الوقت الذي تستعد الدابة للجواب تكون قد نسيته فتسكت، مما يثير دهشة الإنسان
ولكنه اندهش من نفسه ايضا لأنه استعصى عليه أن يتعلم النسيان فظل مشدودا باستمرار إلى الماضي، ومهما فعل ومهما ذهب بعيدا وأسرع خطاه لاحقته السلسلة دوما. إنه لأمر عجيب: فمثلما تظهر اللحظة في رمشة عين، تزول كذلك. من قبلُ كان العدم، ومن بعدُ يعود العدم.

مصدر النص: فريدريك نيتشه، تأملات غير راهنية
Nietzshe, secondes consedirations intempstives, ed. Garnier Flamarion p.p : 75-76
نقلا عن كتاب الفلسفةالسنة الرابعة-آداب (تونس) ص

Facebooktwitterredditmailby feather

نصوص لإغناء التفكير الفلسفي حول المفهوم وتوسيع آفاقه

نصوص لإغناء التفكير الفلسفي حول المفهوم وتوسيع آفاقه

texts

أحيانا لاتكون نصوص الكتب المدرسية موفية بالمطلوب، لتغطية حاجات البناء الإشكالي لمحاور الدرس…
وأحيانا يجد المرء بحكم الصدف السعيدة لقراءاته في هذاالكتاب أو ذاك، نصوصا متميزة إما بطرافة طرحها أو غنى مضامينها أو استفزازها لذهن المتعلم ووجدانه…
تجدون في هذه الصفحات بعضا من هذه النصوص، وسأرقن المزيد منها إن توفر وقت…
. وقراءة ممتعة

Facebooktwitterredditmailby feather

تعلم منهجية الإنشاء بواسطة استقراء نموذج ملموس

نموذج إنشاء فلسفي يوضح كيفية تطبيق القواعد االمنهجية
أو تعلم منهجية الإنشاء بواسطة استقراء نموذج ملموس

غالبا مانغدق على تلامذتنا النصائح المنهجية بشكل نظري ومجرد، لكننا نبخل عليهم بالنماذج التطبيقية.. نقول لهم حلل النص، استخرج نبيته المفاهيمية والحجاجية ، ناقش النص بمواقف مؤيدة وأخرى معارضة، حدد قيمة النص، … ولكن هل بينا لهم يوما ما كيف يتم ذلك بالفعل !؟
إن النقط التي يمنحها مصحح الفلسفة للتلاميذ نقط هزيلة عموما وحجته في ذلك ان كتابات التلاميذ وإنتاجاتهم المقالية لا تستوفي شروط الإنشاء كما يريده وينتظره! ولكن هلا أقدم هذا المصحح على إنجاز نموذج تقريبي لما يريده ويرتجيه !!؟
لقد ضقت ذرعا بإنشاءات بعض تلامذتي وهم يكتبون:
استخدم النص مفهوم كذا الذي يعني كذا ووظف مفهوم كذا الذي يعني كذا.. أما من حيث الأساليب الحجاجيةكما استخدم أساليب حجاجية كالتأكيد والنفي والأمثلة..إلخ ومن المواقف المؤيدة نجد الفيلسوف الفلاني الذي يقول كذا وكذا.. ويختلف معه الفيلسوف الفلاني الآخر الذي يرى كذا وكذا…
ليس هذا مانريده! وليس هذا إنشاءا فلسفيا جديرا بأن يحمل هذا الإسم! هناك غياب للوحدة العضوية والتنامي والسلاسة والتفكير الشخصي.. إلخ، ولكن أليس هذا هو عين ما لقناه للتلاميذ على شكل توجيهات منهجية نظرية!!؟ ألم يقل لهم: “حلل النص، استخرج نبيته المفاهيمية والحجاجية ، ناقش النص بمواقف مؤيدة وأخرى معارضة، حدد قيمة النص،..”
هل يقع اللوم على تلميذ لم يسبق له في حياته أن اطلع على نموذج إنشائي ينجزه مدرسه بنفسه يقدم من خلاله إمكانية من بين إمكانيات كثيرة لتطبيق التوجيهات المنهجية!!؟
هل سمعتم بشخص تعلم قرض الشعر من مجرد اطلاعه على قواعد العروض؟ هل سمعتم متعلما أتقن العزف من خلال تعلم الصولفيج دون تدريب يديه وأذنيه من خلال سماع معزوفات !؟

ماذا لو قلبنا الآية؟ ماذا لو وضعنا يدنا في العجين؟ وفعلنا كما يفعل فلاسفة فرنسا في سلسلة Les philosophes passent le BAC
حيث يطلب من بعض الفلاسفة كتابة مواضيع إنشائية مدرسية جوابا على مواضيع الباكالوريا الفرنسية، كما لو كانوا يجتازون فعلا هذا الامتحان! إنه تمرين لا يخلو من صعوبة ومتعة في نفس الوقت!!
ماذا لو قمنا بالمثل؟ فقدمنا لتلامذتنا نموذج إنشاء فلسفي ونترك لهم الفرصة إكتشاف قواعد الإنشاء واستنباطها أو التعرف عليها وهي مطبقة هي تمتزج المادة والصورة؟ الشكل والمحتوى؟ القاعدة وتطبيقها..؟

أترككم مع هذا النموذج الذي أنجزته بنفسي ، هو عبارة عن إنشاء فلسفي، أو جواب على صيغة النص المذيل بسؤال حلل وناقش، وقد وضعته رهن إشارة تلامذتي، وتجدون بعده تعليقا لإحدى التلميذات النجيبات في منتدى الحجاج، مما يعني ان هذا النموذج لم يكن بدون فائدة

إليكم النص أولا
نص الموضوع:: (لجأت إلى ترقيم جمل النص لكي تسهل الإحالة عليها لاحقا في ثنايا الملاحظات المصاحبة للموضوع الإنشائي)

“(1) إنني أتلفظ بـ´أنا´´ قبل التعرف على نفسي كشخص.(2) فالأنا هى الأولى،(3) ولا اختلاف فيها او تنوع! (4)وهي لا تفترض وجود مذهب (فكري) في الشخص. فالأنا قائمة منذ البداية،(5) أما الشخص فهو مشروع (…)
(6)يمكن ان تتحقق الأنا وتصبح شخصا. (7)ويفترض هذا التحقق 8الاعتراف بحدود الذات(9) وخضوعها الطوعي لما يتجاوزها،(10)وإبداع القيم،(11) والهروب من الذات في اتجاه الغير.(12) ولكن الأنا يمكنها كذلك أن تظل منغلقة على نفسها ومستغرقة فيها، عاجزة كن الانفتاح على الغير.(13) إن التمركز حول الذات (…) هو العقبة التي تواجه عملية تحقق الشخص، (14)أما الشرط الأساسي لتحقق الشخص، فيتوقف على استبعاد التمركز حول الذات والتطلع باستمرار نحو الغير سواء كان(15)) فردا او جماعة”
حلل النص وناقشه
(من الامتحان الوطني- دورة يوليوز2008 آداب)

نموذج ممكن إنشاء فلسفي::
اضغط هنا لمشاهدة الصورة التالية بحجمها الأصلي

تعليق لإحدى التلميذات في منتدى الحجاج::
بصراحة شكرا على هدا الإنشاء التحفة،حقا استمتعت كثيرا بهده البراعة في الانسياب بين الأفكار والمفاهيم والأطروحات،والانتقال من لحظة لأخرى بخفة وسلاسة…تجربة إنشائية مفيدة فعلا وبكل المقاييس
(…)دعني أتفق معك في البداية أن مثل هدا النوع من التجارب المبدعة والملموسة لم نتعود عليها،بل هي نادرة إن لم أقل منعدمة تقريبا. أكيد أن مثل هده التجارب مفيد ومفيد جدا، وحبدا لو ينهجه كافة مدرسي الفلسفة..لأنه طريق يؤكد لنا بالملموس أن توجيهات الكتابة الفلسفية ممكنة فعلا، وليست فقط ،مجرد شعارات نلقي بها في وجه التلميد دون نمادج للاستئناس.
أما وجه الامتناع فهو القدرة على الجمع بين الحسنيين،منهجية دقيقة ومضبوطة تتسم بالتدرج والتماسك ومعارف غزيرة ووظيفية مستحضرة بالقدر المطلوب وموظفة بشكل متين. طبعا على التلميد أن يسعى لرفع هدا الامتناع بالتمرن باستمرار على الكتابة،لكن ماحيلة التلميد المفتقد لمثل هده التجارب النيرة..؟
لدلك دعني أقول أنا أغبط التلاميد الدين يدرسون عندكم وأضيف، وبصدق، أن التجربة التي قدمتم هي تجربة رائدة ومبتكرة،ولي اليقين أنها نهج إن تمكن درس الفلسفة من ترسيخه كتقليد جار في العمل سيمكن التلاميد المجدين من بلوغ الغايات المرجوة بشكل مرض،وسينقد الدرس الفلسفي من آفة العمومية والخبط والغموض المنهجي.

Facebooktwitterredditmailby feather

كيفية التعامل مع السؤال المفتوح بحسب أداة الاستفهام

كيفية التعامل مع السؤال المفتوح بحسب أداة الاستفهام

تقتضي منا صيغة السؤال الإشكالي المفتوح أن نقف أولا ومطولا عند دلالات الكلمات أوالحدود المكونة لمنطوق السؤال، فمن تحديد هذه الدلالات يمكن أن نقف على علاقات ومعان نتخدها كإمكانيات للإستشكال (الطرح الإشكالي) أو لبناء مواقف وأطروحات في سعنا للجواب على السؤال.
ولعل أول لفظة أو حد يتوجب الوقوف عنده هو أداة الاستفهام نفسها التي يفتتح بها السؤال!! فهي التي تحدد المطلب، لذا وجب أولا التفطن إلى المطلوب، والجدول التالي يعرض أهم أدوات الاستفهام ومطلب كل واحدة منها، وإمكانيات التعالم مع سؤالها

Facebooktwitterredditmailby feather

معضلة المقدمة في الإنشاء الفلسفي على ضوء المذكرة159

معضلة المقدمة في الإنشاء الفلسفي على ضوء المذكرة159

إن المقدمة بوصفها إعلانا عن الموضوع، والتمهيد بوصفه مقدمة للمقدمة لهو معضلة حقيقية. وفي كل شيء يتكون ويظهر بعد أن لم يكن، نجد أن الانبثاق هو اللحظةالحرجة! في خروج الجنين من رحم أمه، في تمزيق النبتة لغلاف البذرة، في الإعلان الأول عن الحب للمحبوب..!

من الاختلاف المتوحش إلى الحوار:
مادام الفلاسفة قد اختلفوا حول تعريف الفلسفة ذاتها !! ومادمت تجد بصدد كل إشكال فلسفي رأيين متعارضين على الأقل، فكيف نعجب إن اختلف مدرسو الفلسفة في تصورهم للمنهجية، ولكفية إقدار التلاميذ على امتلاك ناصيتها وممارستها.
بيد أن هذا الحق (أي حق الفلاسفة أو مدرسي الفلسفة) ليس حقا مطلقا، إذ يقابله واجب ومسؤولية… واجب إعداد التلاميذ ليجتازوا بنجاح امتحانا وطنيا يحل فيه مصحح مجهول محل المدرس! عندها يغدو اختلافنا المُمتدح كابوسا بالنسبة للمتعلم بكل بساطة.. من هنا حاجتنا إلى توحيد أو على الأقل توضيح الرؤى لأنفسنا ولبعضنا البعض ولتلامذتنا ضمانا لمبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين.
وهناك قضايا منهجية محددة بمثابة أوراش تنتظر منا أن ندشن التفكير فيها والتداول بشأنها، من قبيل:
-مقدمة الإنشاء الفلسفي، ماغايتها، ما وظيفتها في علاقتها بالإنشاء ككل، وماهي مكوناتها..
-مالمقصود بالتحليل، سواء كان تحليلا لنص او قولة أو لمفردات سؤال؟ وكيف للتلميذ أن ينجز مطالب التحليل عمليا…؟ وما موقفنا عمن عبارات من قبيل: تضمن نص مفهوم كذا ويعني كذا… واستعمل أسلوب كذا وأسلوب كذا…
-ما المقصود بالمناقشة؟ وما موقع ووزن ما يسمى مواقف مؤيدة وأخرى معارضة داخل مطلب المناقشة..؟
– مادور الخلاصة؟ مجرد حوصلة؟ المكان المفضل للتعبير عن الرأي الشخصي الذي يفترض اننا امتنعنا عن إبدائه أثناء العرض..؟
وبالمناسبة، فقد سبق لثلة من المدرسين التداول بشأن هذه القضايا غير ما مرة في نقاشات طويلة وخصبة شهدتها صفحات منتدى الحجاج والمقالة الحالية إنما ولدت في غمار تلك النقاشات..

نبدأ إذن كما يبدأ الإنشاء الفلسفي نفسه أي من المقدمة

1-مقدمة الإنشاء الفلسفي:

ظاهرة الصيغ النمطية:
مادفعني إلى الاشتغال على المقدمة وإيلائها كل هذه الأهمية هو ظاهرة هذه المقدمات النمطية التي تطفح بها إنشاءات التلاميذ والتي يبدو انها لقنت لهم في مكان ما، من قبل مدرس أو كتاب مدرسي رسمي او مواز..تبدأ هذه المقدمات عادة بصيغ مثل:
– يتأطر النص ضمن مفهوم كذا الذي أثار نقاشا بين الفلاسفة تناوله كل واحد منهم من زاويته الخاصة.. فماهو..إلخ
-يتأطر النص ضمن مجزوءة كذا ومفهوم كذا وبالضبط محور كذا.. فماهي أو ماهو..
– يتناول النص الذي بين أيدينا مفهوم كذا ويدل في معناه الفلسفي على كذكا وكذا.. إذن ماهو… إلخ
قبل الجكم على هذه المقدمات، يجدر بنا أن نلقي نظرة على مذكرة الأطر المرجعية رقم 159 والتي يفترض أنها تقدم لنا “إطارا مرجعيا” نمرن على ضوئه تلامذتنا على كفايات الإنشاء الفلسفي ونصحح بناءا عليها إنتاجاتهم سواء أثناء التقويم التكويني أو الجزائي

المذكرة 159، الفهم و المقدمة !
لعلكم لاحظتم ما تتضمنه مذكرة الأطر المرجعية التي تحمل رقم 159 من اللبس. إذ لا تتحدث عن مقدمة أو حتى عن طرح إشكالي، وعوض ذلك تستخدم المصطلحات والترسيمة التالية (ص7):
الفهم:
-تحديد موضوع النص؛
-تحديد الإشكال المطروح؛
-تحديد فكرة النص أو أطروحته.
التحليل:
-إعادة صياغة الإشكال من خلال أسئلته الأساسية؛
-شرح الأطروحة في علاقتها بمفاهيم النص؛
-إبراز الحجج و دورها في النص.
المناقشة:
– مناقشة أهمية الأطروحة من حيث قيمتها وحدودها
-طرح إمكانيات أخرى تفتح أفق التفكير في الإشكال الذي يثيره النص.
التركيب:
-استخلاص نتائج التحليل و المناقشة؛
– إبراز المجهود الشخصي للتلميذ.
الجوانب الشكلية:
-اللغة والأسلوب ووضوح الخط..

ولكن أين هي المقدمة !؟
ماموقع مقدمتنا في هذه الترسيمة؟! يميل بعض الزملاء إلى المطابقة بين المقدمة واللحظة الأولى في المذكرة أي “الفهم”، فيدخلون في المقدمة (التي تتجسد تيبوغرافيا في الفقرة الأولى) ضرورة “تحديد فكرة النص او أطروحته”، وبعضهم يقف حائرا أمام هذه الصيغة وبعضهم يرفضها بكل بساطة ولا يلتفت إليها، ولكن ما البديل في هذه الحالة؟
من الممكن تجاوز هذه الأشكال من الغلو، إذا ما توقفنا أصلا عن المطابقة بين “الفهم” المذكور في المذكرة و”المقدمة”: إذ أزعم أن من صاغ هذه المذكرة قد ارتكب خطأ فادحا – خصوصا وأنه يؤسس لتصور منهجي يتمتع بقوة المؤسسية (أي التأسيس) – حين قصر الفهم على اللحظات الأولى من الموضوع، وكان حريا به أن يسميه “طرحا إشكاليا”، ويسمي ما تبقى بناءا إشكاليا متكونا من تحليل ومناقشة، فتنسجم بذلك مصطلحات الإنشاء الفلسفي مع مصطلحات الدرس الفلسفي. ولم لا؟ خصوصا أن الثاني ينبغي أن يكون نموذجا حيا للأول، ويفترض في المدرس أن يقدم لتلامذته من خلال إنجازه لدرسه في ممارسته الفصلية اليومية صورة عن منهجية الإنشاء أو بالأحرى التفكير الفلسفي، لأن الإنشاء والدرس ليسا سوى تمارين في التفكير الفلسفي، وكلاهما يخضعان لنفس مطالب التفكير الفلسفي (ولكن هذا موضوع آخر يحتاج منا إلى مقالة مستقلة).
ثم إن المقدمة ليست وحدها محل البرهنة على الفهم، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بفهم “أين يقع النص في المقرر الدراسي” !! لكن جل المصححين يعلمون أن الفهم الحقيقي للنص او القولة أو السؤال إنما يتمظهر في جميع لحظات الموضوع، أي أنه كفاية مستعرضة إن صحت هذه العبارة! ولا أدل على ذلك من الأفعال المعرفية التي تندرج تحت عملية الفهم في صنافة بلوم…

بعد مشكلة المطابقة بين “الفهم” و”ألمقدمة” توادهنا مشكلة أخرى وهي مكونات المقدمة نفسها:
لا جدال في المكون الأوسط، على أساس ان المقدمة هي محل الطرح الإشكالي. ولكن يلزم مع ذلك التنبيه إلى قضية جوهرية وهي أن المقصود بتحديد الإشكال المطروح، إنما هو الإشكال المطروح في النص أو القولة وليس إشكال الدرس، وفي غالب الأحيان لا تتطابق إشكالات النص مع إشكالات الملخص، أو لنقل إن النص يطرح إشكالات الدرس بشكل مُحوّر وملتو وغير مباشر.
والآن ماذا عن العنصرين المتبقيين: تحديد موضوع النص؛ و تحديد الإشكال المطروح !؟

تحديد أطروحة النص في المقدمة !
من جهة أخرى، أتساءل: هل يمكن أن تتضمن المقدمة تصريحا بأطروحة النص أي بجواب النص على الإشكال المطروح وفق التأويل “الحرفي” للمذكرة 159؟ في هذه الحالة ألن تفقد المقدمة دورها الخطابي المتمثل في شد انتباه القارئ وتشويقه؟ أليست المقدمة محلا للطرح الإشكالي حيث يفترض ان الأمور ملتبسة، محيرة، غير واضحة أو متناقضة؟ بحيث يكون النص بأطروحته وأفكاره وكذاالأطروحات المضادة في تطابقها أو تقاطعها أوتعارضها أو تجاوزها لهذه الأطروحة.. بمثابة محاولات لرفع هذا اللبس أثناء سيرورة بناء الإشكال
التأويل أو “التخريجة” التي أقترحها هو أن ماتسميه المذكرة 159بمرحلة “الفهم” لا يطابق الفقرة الأولى من إنشاء التلميذ أي المقدمة ولايتوقف عندها، بل يمتد إلى اللحظة الأولى من العرض أي لحظة الإعلان عن أطروحة النص، فتصبح الخطاطة كالتالي:
الفهم:
-تحديد موضوع النص؛
-تحديد الإشكال المطروح؛
———————————–
العرض:
-تحديد فكرة النص أو أطروحته.
التحليل:
-إعادة صياغة الإشكال من خلال أسئلته الأساسية؛
-شرح الأطروحة في علاقتها بمفاهيم النص؛
-إبراز الحجج و دورها في النص.
المناقشة:
-مناقشة أهمية الأطروحة من حيث قيمتها وحدودها
-طرح إمكانيات أخرى تفتح أفق التفكير في الإشكال الذي يثيره النص.
—————————————
الخاتمة
التركيب:
-استخلاص نتائج التحليل و المناقشة؛
– إبراز المجهود الشخصي للتلميذ.

الجوانب الشكلية:
-اللغة والأسلوب ووضوح الخط..

بمعنى أننا سنكتفي برسم خط وهمي يمر فوق ماسمته المذكرة ” تحديد فكرة النص أو أطروحته” كي يندرج هذا المطلب ضمن العرض. وهذا ما فعله محررو المذكرة أنفسهم عند حديثهم عن منهجية التعامل مع القولة (ص8):
الفهم:
-تحديد موضوع القولة؛
-إبراز الإشكال المطروح، الصريح أو الضمني؛
-إدراك مجال السؤال المرفق بالقولة : حدوده وترابطاته .
التحليل:
-استخراج الأطروحة التي تتضمنها القولة وتفسيرها ؛
-الوقوف عند الحجاج الذي تفترضه والذي يمكن توظيفه لبنائها؛
-توظيف المعرفة الملائمة لمعالجة الإشكال المطروح .

بهذا نكون قد حللنا مشكلة تقنية ! ولكن سيعترض البعض مثلا بأن بداية العرض ليست المكان المناسب للإعلان عن أطروحة النص، التي لا ينبغي التصريح بها إلا في أعقاب لحظة التحليل على شكل إستنتاج. وهو اعتراض مقبول ينتصر للمقاربة الإستقرائية أي المرور من المفصل إلى المجمل، بيد أني لا أرى مانعا من قبول المقاربة الاستنباطية بدورها، أي الانتقال من المجمل إلى المفصل. خصوصا إذا أعقب الإعلان عن الأطروحة تساؤل يروم الاستفهام عن دواعي تبني النص لمثل هذه الأطروحة كصيغة انتقالية للشروع في تحليل أفكار النص وحجاجه..

تحديد موضوع النص: هل له من قيمتة و وظيفة؟ أم أنه بالأحرى عائق نفسي وابستملوجي؟
والآن ماذا عن المطلب الأول (تحديد موضوع النص )؟ ما قيمة أن يحدد التلميذ موضوع النص في المقدمة؟ وعندما أتساءل عن هذه القيمة، فإنما أربطها بالمعطيات التالية:
أ- يفترض أن نبدأ في المقدمة بشيء ما يكون منطلقا للاستشكال قضية النص أو القولة أو السؤال؟
ب- أن هذا التحديد يختزل عادة في التعرف على المجزوءة أو الدرس وأحيانا المحور الذي يعتقد أن قضية النص تندرج تحته
ج-عندما يُنصح التلميذ في إطار التوجيهات المنهجية للإنشاء الفلسفي، بأن يمهد للأسئلة المطروحة بإدراج النص أو القولة أو السؤال أولا ضمن مجزوءة أو مفهوم أو حتي محور، ألا يكون في هذ الحالة قد تهيأ نفسيا للإنسحاب كذات مفكرة، وعوض أن يتحمل مسؤولية الإشكال المطروح بوصفه إشكالا مطروحا عليه بشكل شخصي وخصوصا فإذا تعلق الأمر بمواضيع في الشخص اوالغير أو الدولة أو العنف أو الحق أوالواجب أ والحرية أو حتى السعادة..، ويخلي السبيل لـ “لإطار” الذي هو الدرس أو المحور او حتى المجزوءة، مادام أن المطروح عليه يتأطر وينحشر ضمن الجاهز، ضمن ما سبقت دراسته أو تدوينه أي ضمن مجزوءة وأو درس او محور !؟ أعتقد أن تأطير الموضوع ضمن مجزوءة او درس او محور لايعني عند التلميذ سوى أن الموضوع برمته مطروح على الفلاسفة، تلك الكائنات الغريبة التي تستوطن الدرس،
د- وأخيرا فإن الربط بين هذا “التأطير” أو التحديد والأسئلة التي تليه يبدو مصطنعا ومتكلفا، بل إن الوحدة منعدمة، حيث يجد المصحح نفسه أمام عنصرين لارابط بينهما: تأطير الموضوع ثم سلسلة الأسئلة التي تختتم بها المقدمة ! والمثال التالي بوضح مقصدي:

يندرج النص الذي بين أيدينا ضمن مجزوءة السياسة وبالضبط ضمن مفهوم الحق ويعالج كذا وكذا، إن ماهو أساس الحق؟ هل هو طبيعي أم ثقافي؟

من أجل تقريب وجهات النظر بيننا كمدرسي فلسفة، أرى من المناسب أن نسأل أنفسنا: مادام الأمر يتعلق بطرح إشكال وتساؤلات، فكيف تطرح الأسئلة داخل مسار الفكر الفلسفي نفسه!؟ كلنا ندرس لتلامذة الجذع المشترك أن التساؤل الفلسفي يخرج من رحم الدهشة او هو تعبير عن دهشة. فهل يشذ ميلاد السؤال الفلسفي داخل الإنشاء الفلسفي عن هذه القاعدة؟! ألا يفترض في التلميذ أن يعيد إخراج mise en scene هذه السيرورة، بحيث تبدو أسئلته ثمرة دهشة أو حيرة أمام تناقض أو التباس أو مفارقة.. فيكون طرح السؤال منتهاها الطبيعي؟
أليس المطلوب المطلوب إذن هو ان يقحم ذاته في فعل التفكير، وذلك بان يبين كيف أن إشكال النص او القولة أو السؤال يطرح نفسه علينا؟ كيف يسائلنا ويستوقفنا؟ كيف ينبثق من قلب تناقضات أو التباسات معينة يكون الإقبال على النص أوالقولة أو السؤال بمثابة توضيح لها أن بحث فيها !؟
عندما نطلب من التلميذ ان يجعل من التمهيد -وهو أول أجزاء المقدمة- موضعا للإستشكال وفرصة لتبرير وتسويغ الإشكال، فإننا بذلك لا نفعل شيئا سوى إلزامه منذ البداية بأن يتبنى المشكل المطروح او يفكر على الأقل لماذا هو مطروح، وبالمقابل فعندما نطالبه بأن يبدأ بتأطير الموضوع في مجزوءة وا درس أو حتى محور، ألا نكون بذلك قد “شرطناه” (من الإشراط) ليفكر في الموضوع داخل حدود الدرس، وكلنا يعلم جيدا أنه مامن درس أنجزه مدرس يوما ما، كان كافيا لمعاجلة موضوع إنشائي والتفكير فيه، اللهم إلا إذا كان قد صاغ درسه وهو يفكر في هذا الموضوع الإنشائي !!

ماهو البديل إذن؟ قبل صياغة اجتهادي الخاص فيما يتعلق بمقتضيات المقدمة والشروط التي ينبغي أن تستوفيها، لنلق نظرة -من باب الاستئناس-على الطريقة التي ينظّر بها الفرنسيون للمقدمة، لمادمنا قد استوحينا من الفرنسيين مبدأ تدريس الفلسفة في الثانوي مثلما استوحينا منهم دروسها وحتى مرجعياتها:

الاختيارات المنهجية في التقاليد الفرنسية:
تميل أغلب أدبيات التقليد المدرسي الفرنسي (سواء في الكتب المتخصصة في المنهجية أو التوجيهات المتضمنة في الكتب المدرسية)، إلى اختيار منهجي يتمثل في الانطلاق -في لحظة التمهيد لطرح الإشكال-من بداهة من بداهات الحس المشترك ومقابلتها بالأطروحة الفلسفية الواردة في النص أو المفترضة في السؤال من أجل خلق توتر يشرعن طرح السؤال ( وسترد أمثلة ذلك بعد قليل)
فــ ميشل غورينا مثلا في كتابه “دليل الإنشاء والتعليق على النص في الفلسفة” (وهو كتاب اصطنع فيه منهجية اسبينوزا في كتاب الأخلاق! وحاول تعقيد منهجية الإنشاء بالرجوع إلى نصوص الفلاسفة أنفسهم) وبالضبط في فصل بعنوان” قواعد من أجل طرح مشكل فلسفي”، يقترح المقتضيات المنهجية التالية (مع العلم أنني انقل لكم فقط العناوين والخلاصات دون المحاججة والتفاصيل):
تعريف رقم 1: الإنشاء الفلسفي فحص لمشكل فلسفي
تعريف رقم2: المقدمة هي ذلك الجزء من الإنشاء المخصص لطرح المشكل
القاعدة رقم1: في إنشاء فلسفي، ينبغي الاكتفاء ببحث مشكل واحد؛
القاعدة رقم2: يصاغ المشكل الفلسفي الذي يعالجه الإنشاء حصريا في المقدمة
القاعدة رقم A 3 إذا تضمن منطوق السؤال مطلبا بتعريف حد (أو مفهوم) واحد [مثلا: مامعنى حياة سعيدة؟]، فالمطلوب هو صياغة تعريف مضاد للدلالة المتداولة والبديهية للحد المقترح
القاعدة رقم B 3: إذا انطوى منطوق السؤال على حدين، فيجب أن نقيم بينهما علاقة مفارقاتية
القاعدة رقم6: لابد للمقدمة ان تتضمن: تذكيرا بدلالات الحس المشترك- أطروحة يثير تعارضها مع الحس المشترك إشكالا أو مشكلة- السؤال الناتج عن تناقض الأطروحة والحس المشترك
المرجع:Michel GOURINAT, Guide de la dissertation et du commentaire composé en philosophie. Hachette 1976 pp:32-36

المرجعية الثانية التي أحب ان نستأنس بها في نقاشنا الحالي هي كتاب جاكلين ريس “المناهج في الفلسفة”، ومن الجدير بالذكر أن كتابها هذا حافل بنماذج لإنشاءات أو لحظات من إنشاءات منجزة بالكامل في آخر كل فصل لتوضيح التوجيهات المنهجية النظرية للفصل!!
نجد في كتاب ريس القارئ أمثلة توضيحية أو تطبيقية لما أورده غورينا إضافة إلى صيغ أخرى إضافية للمقدمة. لكنها تتفق مع غورينا في مطلب “التوتر” الذي ينبغي أن يطبع التمهيد المفضي إلى طرح الإشكال، والذي يتناقض تماما مع “السرديات” التي نحث عليها تلامذتنا!! أو التي توحي بها المذكرة أعلاه عندما نقرأ فيها عبارة: “تحديد موضوع النص”
تقول ريس:
“المقدمة لحظة حاسمة يستشف منها مسار العمل الفلسفي ككل، ولكن عم تعلن المقدمة بالضبط؟”
تجيب ريس من خلال تحديد أربع وظائف للمقدمة:
-كونها مدخلا إلى التساؤل الفلسفي
-وظيفة الأشكلة
-الوظيفة المفارقاتية aporetique او إثارة المفارقات
– التلميح إلى المراحل المقبلة التي سيمر منها التفكير خلال الإنشاء، ولكن مع تجنب الإعلان المباشر والمسبق عن الجواب أو الحل

وكما ذكرت أعلاه، فجدة كتب ريس يتجلى في أنها تشفع تنظيراتها المجردة دائما بنماذج تطبيقية، وفي هذا الإطار، نقرأ تحت عنوان:
بعض المساعي التقديمية الممكنة
queleques demarches introductifs possibles
كيف نصوغ مقدمة ونؤشكل منطوق السؤال؟ [مع وعينا بمخاطر] الصيغ المصطنعة والوصفات السحرية. يمكن أن نستعرض [مع ذلك] بعض الأساليب التقديمية المفيدة للطلبة إذا ما استلهموا روحها كأرضية لمزيد من البحث والإبداع une matrice à recherches
أ-استثمار التناقضات
مثال: هل يمتلك التفكير في الموت موضوعا ما؟
مقترح مقدمة:يظهر هنا أن التفكير العقلاني للإنسان يتخد من تناهينا موضوعا له. وسواء تعلق الأمر بالموت كوفاة أو الموت في معناها المجرد بوصفها البنية المتناهية والمحدودة للفردية، يظهر أن التفكير في الموت يفكر فعلا في موضوع محدد. ولكن أليس التفكير في الموت تفكيرا في “لاشيء”، فعندما نفكر ف ي الموت يفتقد تفكيرنا هذا لكل محتوى واقعي ومحايث. ألا تنفلت الموت إن من الفعالية التأملية؟..إلخ
ب-إقامة ضرب من التعارض بين الرأي الشائع أو التمثل المشترك والمفارقة الكامنة في السؤال
-مثال: هل من الممكن أن توجد حقائق جزئية؟
مقترح مقدمة: نميل إلى الاعتقاد عامة، بأن الحقيقة كل منسجم وليس مجرد شذرات أو أجزاء غير مكتملة..إلخ

ج-استثمار التعارض بين النظريات الفلسفية: يمكن أن نطبق مبدأ التوتر والتناقض على النظريات الفلسفية ذاتها، شريطة امتلاك معرفة فلسفية دقيقة بالمذاهب، وعدم الوقوع في فخ الاستغراق في التفاصيل المعرفية منذ البداية!
مثال: هل هناك ما لا تستطيع اللغة قوله؟
نموذج مقدمة: يستفهم منطوق السؤال، من جهة، حول اللغة بوصفها وظيفة التعبير الكلامي عن الفكر، أو القدرة على إخراج هذا الفكر إلى الوجود بواسطة علامات. ولكنه يوحي ضمنيا، من جهة أخرى، بوجود ما لا يمكن التعبير عنه (برغسون والمتصوفة)، وهذا ما يتعارض والتصورات الفلسفية التي تمنح الأولوية للخطاب واللغة، فهذا الذي لا تستطيع اللغة التعبير عنه وإخراجه إلى الوجود وموضعته قد لا يعدو كونه مجرد سديم حسب هيغل..إلخ

د-التنسيب التاريخي €قد يقدم السؤال نفسه كحقيقة مطلقة. فنلجأ إلى الكشف عن محدودية هذه الحقيقة، فنجعل منها موضع مساءلة ممكنة
مثال: هل يتوقف تأنسن البشر على الشغل؟
نموذج مقدمة: يدور السؤال حول الوظيفة التكوينية للشغل، ولكن هل تحمل هذه الأطروحة بداهتها في ذاتها؟ إذا بدا الشغل من جهة كإبداع وتملك للعالم من طرف الإنسان، فإنه لم ينل غير التبخيس في الكثير من المجتمعات: ألم يفضل البعض طريق التأمل؟.. إلخ

المرجع:
Jacqline Russ, Les methodes en philosophie. Armand Colin 1992 pp:114-118

نحو تحديد إجرائي لوظيفة المقدمة ومكوناتها
بعد كل ما سلف، نستطيع القول بشيء من اليقين أن :
-المقدمة هي محل الطرح الإشكالي، وهذا الإقرار شبه بداهة تحظى بالإجماع،
– أن تحديد الإشكال والتفكير في صياغته على شكل جمل استفهامية، يفترض تفكيرا لا يقل عنه إجهادا! إذ لما كان الإشكال الفلسفي لا ينبثق فجأة ولا ينقدح في الذهن على حين غرة كالوحي ولا ينبت كالفطر.. كانت هناك سيرورة للفكر تفضي إلى إكتشاف المشكل أو انبثاقه…
– يعبر عن هذه السيرورة بالمفارقة أو الإحراج أو التوتر او الدهشة..،
– وجود مثل هذه السيرورة يفرض على مقدمتنا أن تتضمن -إلى جانب الصياغة الاستفهامية للمشكل الفلسفي في متوالية من الأسئلة المترابطة- نوعا من التمهيد تكون وظيفته تبرير وتسويغ الإشكال

نستطيع إذن القول أن لمقدمة تتكون من:
أولا- تمهيد تفتتح به المقدمة من سطرين إلى أربعة أسطر (تقريبا وتبعا للحجم الكلي للإنشا الفلسفي)
ثانيا- طرح للإشكال ، في شكل جمل استفهامية تطرح في أعقاب التمهيد وهي نهاية المقدمة
غالبا ما يطرح التلاميذ الإشكال بشكل صحيح إلى حد ما، ولكنهم يفشلون فشلا ذريعا في كتابة تمهيد مناسب لهذا الإشكال المطروح

كيف نمهد؟ أو معضلة البداية والانبثاق
إن التمهيد بوصفه مقدمة للمقدمة لهو معضلة حقيقية، وفي كل شيء يتكون ويظهر بعد أن لم يكن، نجد أن الانبثاق هو اللحظةالحرجة! في خروج الجنين من رحم أمه، في تمزيق النبتة لغلاف البذرة، في الإعلان الأول عن الحب للمحبوب..! دعونا نبدأ بمثال أكثر دراماتيكية:
أريد أن اقترض مالا من صديقي، أريد أن “أسأله” مالا، قائلا: هل لك أن تقرضني بعض المال؟
ولكن قبل أن أطرح عليه هذا “الإشكال” العويص في زمن عز فيه الدرهم ، لابد من تمهيد

إذا اتبعنا التمهيدات النمطية، فهناك مقدمة جاهزة مثل:
المال مهم وكل إنسان يحتاج إليه، والعثور عليه صعب.. هل يمكنك أن تقرضني بعض المال !؟

أعترف مرة أخرى أن هذا التمهيد مقبول، ولكن هل يمكنني أن أستعمله في جميع المناسبات، سواء كنت أحتاج المال لأداوي إبني أو لأكمل دراستي أو لأسافر أو لأدفع ثمن غرامة مخالفة قانون السير ..!؟

لنأخد الحالة الأخيرة، أليس من الأفضل أن أقول لصديقي: لقد اشتريت سيارة، ولكني لازلت لاأتقن فن القيادة جيدا و لقد أكثروا من إشارات المرور في مدينتنا الصغيرة التي لاتستدعي ذلك، بحيث لم أنتبه إلى الضوء الأحمر .. وهكذا وجدت الشرطي يوقفني ويسجل لي غرامة… ألا أجد عنك مبلغ كذا وكذا لإنقاذ الموقف !؟

ما الأفضل؟ هذا التمهيد أم هذا:
المال مهم وكل إنسان يحتاج إليه، والعثور عليه صعب.. هل يمكنك أن تقرضني بعض المال !؟
صحيح أن هذه مقدمة مقبولة، وهي خير من أن أقول: “الجو ممطر والبرد قارس وهناك سيارات كثيرة تمر في الشارع، هل يمكنك أن تقرضني بعض المال !؟ :lol:
أرى بعضهم يضحك ولكن هذا مايفعله الكثير من التلاميذ للأسف الشديد بحيث لاتجد أي علاقة بين التمهيد والإشكال المطروح

إلام أريد أن أخلص؟
ما أريد قوله أن التمهيد تمليه طبيعة الموضوع أي مضمون النص
عليّ أن أقرأ النص أولا لأرى ماهو المدخل المناسب إلى إشكاليته

وهناكك مئات بل آلاف المداخل الممكنة إلى إشكالية النص
خير تمهيد هو ذاك الذي يكشف عن مفارقة أو تناقض أو صعوبة نظرية أو عملية أو لبس أو إحراج… مما يجعل طرح الأسئلة طرحا ضروريا ومشروعا لحل هذا التناقض أو لفهم هذه المفارقة، وهذه الأسئلة هي النص أ والقولة أو أسئلة السؤال المفتوح وليست أبدا أو بالضرورة أسئلة الملخص
لهذا السبب فالمقدمة هي آخر ماينبغي كتابته أثناء مرحلة التخطيط الأولي بعد أن يكون الموضوع الإنشائي شبه مكتمل في المسودة

أختم بهذا النموذج التطبيقي لمقدمة إنشاء فلسفي اقتبستها م نالكتاب المدرسي غير الرسمي منهج الفلسفة (الشعبة الأدبية ص 81)
السؤال المطروح في الفرض هو قولة مذيلة بسؤال:

يقول كارل بوبر: ينفضح خطأ التصور العلمي أثناء البحث عن الحقيقة”
إلى أي حد يستفيد العلم من أخطائه ؟

وهذه على سبيل المثال مقدمة تتكون من تمهيد (باللون الأخضر ) وطرح للإشكال (باللون الأزرق) ولنلاحظ المؤشرات اللغوية الدالة على المفارقة باللون الأحمر !!

إذا كانت ‏ المعرفة الإنسانية قد برهتن على قدرتها على إنتاج النظريات العلمية وعلى اكشافها للعديد من الحقائق في شتى مجالات العلوم الدقيقة، فإن هذا التطور العلمي الذي كان يسعى إلى الدقة والموضرعية قد كشف عن مجموعة من الأخطاء والهفوات التي سقطت فيها النظريات العلمية. هل استطاع العلم إذن تحقيق ما يسعى إليه من دقة وموضوعية ؟ وإلى أي حد تعتبر الأخطاء والأزمات التي تعترض سبيل العلم عاملا ساعدا على تطوره ونضجه ؟

أملي ان تثير هذه الأرضية نقاشا في مستوى المهام الملقاة على عاتقنا كما في مستوى انتظارات تلامذتنا وخصوصا النجباء منهم

Facebooktwitterredditmailby feather

النص، القولة والسؤال: منهجية واحدة أم ثلاث منهجيات؟

النص، القولة والسؤال: منهجية واحدة أم ثلاث منهجيات؟

لعل الكثير من زملائي المدرسين عاينوا بعض التلاميذ، الذين يختارون الإجابة على صيغة السؤال المفتوح، وهم يكتبون:
" يرى صاحب السؤال…."
أو
" يؤكد صاحب السؤال أن …"
أو:
"يتبن من تحليل و مناقشة الموقف المعبر عنه في السؤال أن.."
أو حديث التلميذ عن حجج في قولة تتكون -بالكاد-من عبارة واحدة !! :icon_scratch:

يعود سبب هذه النقائض التي نعابنها في كتابات التلاميذ إلى عدم التحديد الواضح والدقيق لما تشترك فيه وما تنفرد به كل واحدة من الصيغ الثلاث ، بحيث يبدو كما لو كان التلميذ يعالج صيغة القولة أو السؤا ل المفتوح بنفس المنطق الذي يعالج به صيغة النص للتحليل والمناقشة :icon_rolleyes:
لا أنكر وجود مقتضيات منهجية مشتركة بين الضيغ الثلاث، لكنها مقتضيات عامة جدا ولا تنفي خصوصية كل صيغة؛ووجود مثل هذه المقتضيات المشتركة، يسمح لنا بتحديد قواعد مشتركة تخضع لها المقدمة و الخاتمة، بيد أن خصوصية كل صيغة، تجعل العرض خاضعا في كل صيغة لمقتضيات ومنطق خاصين.
وسأعرض في ما يلي المقتضيات العامة المشتركة وخصوصية كل صيغة على حدة، وأختم المقال ببحث قضيتين شائكتين وهما: هل يتضمن السؤال المفتوح أطروحة؟ أي هل يمكننا الحديث أثناء معالجة السؤال عن أطروحة مؤيدة وأخرى معارضة؟ وما مشروعية الحديث عن مناقشة داخلية للقولة؟

المقتضيات المشتركة بين الصيغ الثلاث
سواء اتخد الإنشاء الفلسفي النص او القولةأو السؤال المفتوح موضوعا له، فلا مفر له من أن:
-يتضمن طرحا إشكاليا وبناءا إشكاليا ثم خلاصة
-ضرورة حضور الكفايات الفلسفية الأساسية وهي
– الأشكلة، وخصوصا القدرة على إثارة المفارقات والكشف عن الصعوبات وبناء تقابلات والنقد
-المفهمة : القدرة على تحويل الكلمات إلى مفاهيم ذات دلالة واضحة، أو تعريفها و الحفر في دلالتها وبناء علاقات بين هذه الدلالات من قبيل علاقات التقابل أو التضمن أو التقاطع أوالتفرع…؛
-المحاججة و التي تعني حرص التلميذ على دعم ما يعرضه من أفكار بأدلة وحجج عوض عرضها بشكل دوغمائي؛
– وحدة الموضوع وتنامي الفكرة طوال الإنشاء والحرص على التدرج والانتقال المنطقي السلس من فقرة لأخرى؛
– استدعاء الثقافة الفلسفية المكتسبة والتعامل معها بشكل وظيفي وفق مبدأ الملاءمة بما يشهد على الاستيعاب الجيد، بعيدا عن السردية والحشو والدوغمائية (حجة السلطة)؛
– إقحام الذات في فعل المساءلة و التفكير بشكل صادق، بحيث يظهر الإنشاء كبحث حقيقي فعلي عن حل للإشكال، عوض أن يتعامل التلميذ بقفازات بيضاء مكتفيا بتنظيم حلبة ملاكمة بين الفلاسفة؛
– تطعيم التفكير الفلسفي المجرد والشمولي (بطبيعته) بمعطيات ملموسة وجزئية من الواقع (أمثلة) أو من التجربة الشخصية الذاتية.

خصوصية كل واحدة من الصيغ الثلاث

رغم ما يوجد بين الضيغ الثلاثة من قواسم مشتركة والتي ليست في النهاية سوى المطالب والمقتضيات المشتركة لكل تفكير فلسفي، توجد مطالب خاصة بكل صيغة لا معنى لها إلا بالنسبة لهذه الصيغة أو تلك

1-النص: يتضمن النص أطروحة وحشدا من المفاهيم وعلاقات دلالية ومنطقية تربط بينها أي حجاجا، لذا يمكن الحديث عن مرحلة أولى نسميها التحليل تخصص للاشتغال على المفاهيم والحجاج ومسار تشكل الأطروحة ونمو الفكرة داخل النص..إلخ من أجل فهم النص و بناء معناه لننتهي إلى استيضاح أطروحته وتعيينها بشكل دقيق، ثم الحكم على قيمة هذه الأطروحة، وهي العملية التي نسميها "المناقشة"

2– القولة: مثل النص، تتضمن القولة أطروحة محددة، بيد أن القولة -بخلاف النص-مقيدة اولا بالسؤال المذيل لها والذي يوجه اشتغالنا على القولة، ثم إن الحجاج غائب بسبب قصر حجمها، فينصرف التحليل إلى بناء الحجاج المفترض مما يعني أيضا اضطرار التلميذ إلى توظيف المكتسبات المعرفية أو ما يمسى بـ "المواقف" منذ لحظة التحليل كمعطيات -من بين معطيات أخرى-لبناء هذا الحجاج المفترض وتسويغ ما تذهب إليه القولة أي أطروحتها!!
ثم الحكم على قيمة هذه الأطروحة وهي العملية التي نسميها – كما في صيغة النص- بــ "المناقشة"
وسأعود إلى خصوصيات صيغة القولة في آخر هذه المقالة

3- السؤال المفتوح: لايتضمن السؤال أطروحة (لأسباب سأذكرها بعد قليل)، مما يعني ان مفهوم الأطروحة يصبح عديم المعنى، وكذلك مفهوم "مواقف مؤيدة" و "مواقف معارضة". مؤيدة لأي شيء!؟ ومعارضة لأي شيء!؟ :icon_rolleyes: وبسبب غياب الأطروحة يتعذر الحديث عن شيء إسمه التحليل والمناقشة، اللهم لا إذا أفرغنا هاتين الكلمتين من مضمونيهما اللذين حددناهما أثناء حديثنا عن النص والقولة!! :icon_wink:
بعبارة أخرى فالسؤال المفتوح يقتضي عمليتبن تفضي إحداهما إلى الأخرى، أو يتم إنجازهما بشكل متداخل، وذلك أثناء الجزء المسمى بالعرض:
أ- الاشتغال على مفاهيم السؤال بهدف:
– إعادة صياغته في أسئلة محددة، والهدف هو تحويل السؤال إلى إشكال فلسفي أو الكشف عن المشكل الفلسفي الثاوي خلف السؤال؛
-استجلاء دلالات المفاهيم الواردة في السؤال و اقتراح علاقات ممكنة بين هذه المفاهيم والتي هي أجوبة ممكنة على الأسئلة المثارة
ب- استعراض هذه الأجوبة الممكنة واحدا بعد الآخر بشكل جدلي أي الحرص على إقامة حوار وجدلية بينها، عوض سردها أو رصفها بجانب بعضها البعض !
(يمكن للبعض أن يجعل المرحلة "أ" مكونا من مكونات المقدمة، فيصبح العرض مقتصرا فقط على "ب").
يتبين إذن أن لكل صيغة خصوصيات تقتضي التمييز بينها منهجيا واستخدام مصطلحات خاصة ملائمة أثناء الحديث عن منهجية كل واحدة منها

خصوصية صيغة السؤال المفتوح: هل تتضمن الأسئلة أطروحة !!

من الناحية الصورية، تختلف الأسئلة المفتوحة باختلاف أدوات الاستفهام التي تستهل بها: هل، لماذا، ماذا يعني، إلى أي حد، من.. إلخ، ولكن لنقتصر هنا على أشهر أداة مستعملة في التقاليد المدرسية المغربية، وهي "هل"
وهي أداة استفهام يطلب بها التصديق إي إثبات خبر لمبتدأ أو محمول لموضوع، ويكون الجواب "بنعم" في الإثبات و "لا" في النفي.

ولكن في جميع الأحوال، فالاستفهام ليس أسلوبا خبريا بل أسلوبا إنشائيا ! فكيف له أن يتضمن اطروحة !!؟
عندما أسأل: متى يصل القطار؟ أو هل زيد موجود؟ فأي أطروحة هنا !!؟ :icon_rolleyes: أليست الأطروحة إثباتا وتوكيدا لأمر ما أو لعلاقة أو نسبة بين شيئين !؟ فما ذا يثبت السائل هنا !؟
السؤال لايثبت شيئا اللهم إلا إذا كان سؤالا تقريريا (أي أن تدفع السائل إلى الموافقة والإقرار وهو ضد الإنكار) مثل "أليس الله بأحكم الحاكمين؟"، فهنا السائل يتبني بالفعل اطروحة أي دعوى: "ان الله هو أحكم الحاكمين" ويريد من المجيب أن يقر له بذلك. ولكن هنا يكون الاستفهام قد خرج عن "قوته الحرفية" وأفاد معنى جديدا يقتضيه المقام الحواري التداولي…

لنتأمل سؤالا مثل: هل العدالة هي احترام القوانين؟
"العدالة احترام للقوانين" هذا هو الأمر المستفهم عنه، والسائل لم يثبت النسبة بينهما، بل يسأل عن إثبات أو نفي النسبة أي العلاقة بين العدالة و احترام القوانين

إذا اتفقنا على أن السؤال لا يتضمن أطروحة، فهذا يؤازر ما ورد في ملاحظتي الأولى وهي أنه لا معنى للحديث عن " مواقف مؤيدة " و " مواقف معارضة" أثناء الاشتغال على صيغة السؤال المفتوح.

وعلى كل حال، فمذكرة الأطر المرجعية (رقم 159) تذكر في صفحتها السابعة كمكون أول من مكونات المناقشة في السؤال المفتوح، مايلي:
مناقشة الأطروحة المتضمنة احتمالا في الموضوع
فقد استخدمت أسلوب تخصيص واحتياط وهو كلمة: "احتمالا" كما أنها تحدثت عن أطروحة متضمنة احتمالا في "الموضوع" وليس في "السؤال" ولعلهم يقصدون بذلك الموضوع الإنشائي للتلميذ وليس موضوع السؤال، بدليل أنه لم يرد قبل هذه الجملة أي ذكر لكلمة "موضوع" أو " أطروحة"
بل إن المذكرة واضحة عندما تتحدث في المكون الثاني للمناقشة عن :
" طرح إمكانيات أخرى تفتح أفق التفكير في الإشكال"
مما يعني أنه قد سبق طرح إمكانيات معينة في المرحلة الأولى أي التحليل

بناءا على ما سبق،لا أفهم كيف يقال: إن السؤال يتضمن أطروحة! والبعض يمضي إلى حد القول: يتضمن السؤال أطروحة أو عدة أطروحات !
من المؤكد أن القائل لا يقصد ما يقول! ولكن في اللغة العربية متسع ليصوغ فكره بدقة حتى يقول ما يقصد. لنتأمل العبارة مرة أخرى:
"السؤال يتضمن أطروحة أو عدة أطروحات
أولا كلمة "يتضمن" في اللغة العربية تعني : يحمل أو حامل، ضِمنه، في ثناياه، بداخله… ومنها جاءت -ربما- كلمة "المضمون"
فهل السؤال يحمل في ثناياه أطروحة بهذا المعنى!؟
ثم هل ننسى بأن هؤلاء التلاميذ الذين ندرسهم الفلسفة، سبق لهم أن عرفوا في مادة اللغة العربية مايلي:
– الأساليب نوعان: خبر وإنشاء. الأول يحتمل الصدق والكذب، أما الثاني، فلا. والاستفهام واحد من الأساليب الإنشائية، بمعنى أنه لا يحتمل الصدق أو الكذب لأنه ببساطة لا يتضمن خبرا أي أطروحة
على هذا الأساس، لم لا نقول بكل بساطة:

يستدعي أو يحتمل السؤال جوابا أو عدة أجوبة، ويمثل كل جواب أطروحة فلسفية على المجيب أن يدلل عليها.

طيب. لماذا كل هذا الخلاف اللفظي؟ ولم الحرص من جانبي على دقة التعبير !؟
عندما أقول : "يستدعي"، فهو يستدعي من المجيب ! المجيب هو الذي سيقوم ببناء الجواب أو الأجوبة (تماما كما يقوم في صيغة القولة ببناء الحجاج المفترض، مع فارق مهم وهو أن القولة تتضمن فعلا وتنتصر لأطروحة في حين أن السؤال لا يكون متضمنا أو موحيا بأية أطروحة او جواب
في هذه الحالة لن ينسب المجيب -أي التلميذ- للسؤال أو صاحب السؤال أطروحة.
وأخيرا فإن المجيب لن يعتقد مثلما حدث لتلميذي اليوم الذي يبدو أنه تأثر بالأدبيات الرائجة أكثر مما تأثر بما أقوله، عندما سألني اليوم أثناء إنجاز الفرض المحروس وقد كان عبارة عن سؤال مفتوح:
"لا حاجة للمناقشة الداخلية أثناء الجواب على السؤال، سنكتفي بالمناقشة الخارجية، أليس كذلك يا أستاذ؟!"
فأجبته وأنا بالكاد أكتم غيظي :icon_rambo:: " ومن طالبك أصلا بهذه أو تلك، ثم إذا كانت داخلية، فداخل ماذا؟ وإذا كانت خارجية فخارج ماذا !؟
أعود للقول بأن:

"يستدعي أو يحتمل السؤال جوابا أو عدة أجوبة، ويمثل كل جواب أطروحة فلسفية على المجيب أن يدلل عليها، يتم عرض هذه الأطروحات واحدة عقب الأخرى بشكل جدلي أي بجعل كل أطروحة تحاور الأخرى، بطرق من طرق الحوار كالنقد أو التجاوز أو التكامل."


وبذلك نتجنب التشويش على عقول التلاميذ بحديث من قبيل: أطروحات متضمنة في السؤال! مواقف مؤيدة وأخرى معارضة! مناقشة داخلية أو خارجية…

خصوصية صيغة القولة المذيلة بسؤال والمطلب الغريب: المناقشة الداخلية للقولة!!
ملاحظة أخيرة، بخصوص القولة: يستحسن ألا نتحدث في صيغة القولة عن "مناقشة داخلية" لأن القولة تقريبا لاداخل لها !! خصوصا وأن المقصود بالمناقشة الداخلية في صيغة النص هي الحكم على وتقييم أفكار النص في ذاتها أي فقط في علاقتها بالحجاج الموظف للتدليل عليها ( قوي، ضعيف، متحيز، انتقائي، تعميم متسرع، مصادرة على المطلوب، سفسطة sophismes ..)،
بمعنى أننا "نحاسب" صاحب النص انطلاقا مما قاله هو نفسه، والحال أن القولة هي أطروحة بدون حجاج (تقريبا)، مما يعني أننا نقوم ببناء الحجاج المفترض ثم نحاكم الأطروحة التي انتهينا قبل قليل من التدليل عليها.
قد يقول قائل: وهل فقدنا عقولنا لكي نعيد بناء الحجاج المفترض وندلل على صحة الأطروحة، ثم نقوم بعد ذلك مباشرة بمحاكمتها وتقييمها وأحيانا نقدها ونقضها !!؟
والجواب هو أن ذلك يدخل ضمن ما يسمى بــ:
-القدرة على وضع الذات موضع الآخر
– القدرة على فهم مببرات الرأي الآخر حتى وإن كنت لا أتبناه
– وأخيرا القدرة على المحاججة بغض النظر عن الدعوى !! (والتي ورثها الفلاسفة عن السوفسطائيين)<

هذا ما قادني إليه اجتهادي، وككل اجتهاد، فهو يحتمل الصواب والخطأ، والنقاش وحده من يقرر ذلك

Facebooktwitterredditmailby feather

الكتابة الإنشائية لتلامذتنا في الامتحان الوطني: العود الأبدي لنفس الأخطاء ! !

الكتابة الإنشائية لتلامذتنا في الامتحان الوطني: العود الأبدي لنفس الأخطاء ! !

مالذي يمنع التلميذ من التفكير الفلسفي يوم الامتحان: الجهل أم الرعب أم الكسل المعرفي؟؟
   تجرأ على استعمال عقلك

أقدم بين أيديكم زملائي المدرسين أعزائي التلاميذ لائحة غير حصرية بالأخطاء التي ألفتها لكثرة ما صادفتها في كتابات التلاميذ!!! والتي يمكن تجاوزها بالقليل من التركيز وإعمال العقل عوض الاستسلام لرد فعل الفزع والاحتماء وراء الأمان الموهوم للملخص المكدس في الذهن أو في… الجيب!!ء

الهفوة الأولى
الإهمال التام للنص أو السؤال أو القولة والاحتماء وراء الأمان الموهوم للملخص:

في امتحان هذه السنة – كما في سابقاتها- لم تدم علاقة بعض المترشحين بورقة أسئلة الإمتحان – فيما يبدو – سوى بضع لحظات، اعتبرت كافية لتخمين “الدرس” أو “المحور” المقصود، ثم نحيت جانبا!!! وهكذا استنتج من اختار السؤال الأول أنه يدور حول علاقة الحقيقة بالواقع وبما ان هناك محورا في الملخص يحمل عنوانا مماثلا،فقد هرع إليه مستظهرا إياه دون ان يكلف نفسه من حين لآخر عناء الإحالة على السؤال سواء في الخلاصات المرحلية في آخر كل فقرة أو عند الخلاصة النهائية في آخر الموضوع
لم أقرأ ورقة التقط صاحبها أنفاسه في منتصف العرض ليقول : يتين مما سبق أن الحقيقي هو الواقعي ولكن… أو يقول فبي الختام: إنطلاقا من مجموع المواقف التي أتينا على ذكرها بشأن علاقة الحقيقي بالواقعي ومنزلة الواقع نخلص غلى أن..
أما من اختار النص فقد استخلص منه سريعا أنه يناقش موضوع الشخصية ، العوامل المساهمة في بنائها أو دور الشخص في بناء شخصيته ثم هرع إلى محور في الملخص يحمل عنوانا مشابها وانطلق لا يلوي على شيء حتى أدرك نهاية الموضوع…
وكان النص لايضيف إلى معرفتنا أي جديد! وكأن النص لايتضمن إشكالية أصيلة ربما لم تطرق في الملخص بشكل مقصود وهي” وحدة او تعدد الشخصية” وكأن النص لا يثير الانتباه إلى ” البعد الزمني للشخصية” وكيف أن الشخصية هي إمكانيات أو مشروع يعاش في المستقبل أكثر مما يعاش في الحاضر… وكأن النص لا ينتقد ضمنيا مقاربة العلوم الإنسانية التي تتناول الشخصية في بعدها الحاضر مثلما يتناول العلم الطبيعي موضوعاته، وكأن النص لا يتضمن مثالا عن الطالب الذي هو أنا!!! والذي و إن كان تلميذا اليوم أي في الحاضر، لكن مايفعله وهو يجتاز الامتحان الآن يلغي حقيقته كتلميذ لأنه لا يتصرف بوحي من وضعية التلمذة بل بوحي من الامكانيات المستقبلية التي يضعها نصب عينيه وكأن وكأن…
هذه كلها معطيات غنية وجديدة، أنا نفسي كمصحح أستكشفها لأول مرة في النص ، مركبة ومصاغة على هذا النحو..!! وكأني بالمترشح يخاطب النص قائلا: اخرس مكانك أيها النص المراوغ! ألا تتحدث عن الشخصية ؟ طيب، لدي الكثير في ملخصي مما أقوله عنها…بحيث يغنيني عنك !!
وكأني بالمترشح يختزل النص إلى سؤال مباشر مفاده: ” استعرض ما تعرفه عن الشخصية أو عن دور الشخص في بناء شخصيته؟!!!ء

الهفوة الثانية:
مقدمة جاهزة مسبقا: المقدمة الصالحة لجميع المواضيع لاتصلح في الواقع لأي موضوع!!

هي تلك المقدمات التي تشبه المفاتيح التي تفتح كل الأبواب pass-partout وكأن المقدمة تنتمي إلى فئة الملابس الجاهزة. وكأنها معدة قبليا ولايوحي بها النص أو السؤال بعديا، وكأنني عندما أقصد أحدهم لأقترض منه بعض المال، أقصده مسلحا بمقدمة جاهزة، عوض أن استوحي المقدمة من سياق الحديث الذي لايمكنني التنبؤ به قبليا!!ء مقدمات مثل هذه تتكرر بشكل يدعو إلى الملل بل و ” تنوم” يقظة المصحح واهتمامه بالموضوع: ” أثار موضوع …كذا وكذا… جدلا واسعا بين الفلاسفة الذين تناوله كل واحد منهم من وجهة نظره الخاصة، ترى ما هي…؟…”
للمقدمة غاية عملية وظيفية لا زخرفية: هي التمهيد للموضوع وابراز أهميته أو إثارة بعض الالتباسات أو المفارقات لتبرير طرحنا للأسئلة التي نصوغها في آخر هذه المقدمة نفسها

الهفوة الثالثة:
التغييب التام للواقع والأمثلة الحية

هل سقط المترشحون ضحية التمثل المشترك الذي يتهم الفلسفة بكونها فكرا مجردا يحلق في سماء النظريات بعيدا عن هموم الناس الحياتية؟ هذا ما ألمسه باستمرار: لا أحد من المترشحين تقريبا غامر إلقاء نظرة من نافذة قاعة الامتحان، فيضرب أمثلة من الواقع! ، لاأحد تقريبا يغامر بفتح نافذة عالمه الداخلي لكي يمزج جفاف الفكر المجرد بطراوة التجربة الذاتية الحية!!ء التي لا يعادلها في حجيتها أحيانا أي برهان أو استدلال منطقي ولا يكافئها في قوتها أي اشتشهاد من أي كتاب كما نرى عند برغسون او الفينومنلوجيين
في جوابهم على سؤال: ” هل الحقيقي هو الواقعي؟” لم يخطر ببال المترشح ذكر القاضي الذي يحث الشاهد على قول الحقيقة أي وصف الواقع كما عاينه فعلا!! لم يخطر ببالهم أيضا السراب وباقي أشكال الوهم التي وإن كانت تتمتع بكل صفات الواقعي من وجهة نظر الانطباعات الحسية الذاتية او من وجهة نظر الرغبة إلا أنها ليست حقيقية مع ذلك ولم يخطر ببالهم … ولم يخطر ببالهم…ْ

الهفوة الرابعة:
استعادة “ببغاوية” ركيكية لجمل النص

وهي أهون الهفوات: يقع فيها بعض المترشحين الذين نحمد لهم وعيهم فعلا ضرورة الاشتغال على النص ولكنهم لسبب او لآخر يعجزون عن إنتاج أي قيمة مضافة أثناء حوارهم مع النص، أقصد انهم يستعيدون جمل النص مع بعض التحوير الركيك في العبارة أحيانا؛ وعند الفراغ من هذا الواجب الإلزامي الثقيل، تطل فقرات الملخص واحدة بعد أخرة دون أي جسور أو وشائج مع ما قيل من قبل. بحيث يصبح القارئ أمام جزئين منفصلين تمام الإنفصال، لكل منهما حياته الخاصة!! بحيث يمكن حذف أحدهما او قراءته منفردا دون حرج
لقد اكتفيت بالوصف في عرضي لهذه الهفوات، أما تشخيص الأسباب واستشراف الحلول فذاك موضوع آخر سيأتي مجال تفصيله مستقلا
هذه أهم الهفوات التي استطاع نظري المتواضع ان يرصدها أضعها بين يدي زملائي للتعليق عليها أو غلإضافة إليها ولكني بالدرجة الأولى أضعها بين يديكم أعزائي المتعلمين لتجاوزها

Facebooktwitterredditmailby feather

مقاربة قولة فلسفية من خلال بنيتها المنطقية

مقاربة قولة فلسفية من خلال بنيتها المنطقية

أهلا بالتلاميذ الأعزاء وبالزملاء الكرام
في مايلي معطيات سبق لي تناولها مع تلامذتي في القسم في الآونة الأخيرة، أعرضها هنا تعميميا للفائدة

وفق مذكرة الأطر المرجعية، سيكون تلامذة مسلكي الآداب والعلوم على موعد مع سؤال يتضمن مطلبين، يهمنا هنا المطلب الأول الذي يأتي بصيغة:
– اشرح مضمون القول و..
أو
– أوضح مضمون القول و ..

السؤال الآن، كيف لي أن أوضح قولة تتكون من سطر أو سطرين في أغلب الأحوال؟
ماذا عساني أشرح فيها؟ :icon_scratch:
للتبسيط مرة أخرى، أقول عليك أن تنشغل بثلاثة أمور:
1- الوقوف عند دلالات المفاهيم التي تتكون منها القولة. وقد بينت كيفية ذلك في هذا الموضوع: كيفية إنجاز مطلب التحليل في صيغة القولة المذيلة بسؤال
2- الانتباه إلى البنية المنطقية للقولة؛
3- بناء الحجاج المفترض أي الأدلة والحجج والاستدلالات والاستشهادات والأمثلة التي من شأنها دعم وتبرير وتسويغ أطروحة القولة.
ملحوظة: العمليات الثلاثة متداخلة وأحيانا متزامنة :icon_santa:

سأشرح لكم اليوم العملية الثانية وهي : الانتباه إلى البنية المنطقية للقولة
الهدف من هذا الاشتغال معرفة:
-هل القولة تثبت أم تنفي أم تفترض أم تعمم أو تخصص..إلخ
– ماهي العلاقة أو العلاقات بين مفاهيم القولة أو قضاياها أو عباراتها؟
وكل هذا في أفق استجلاء أطروحة القولة

لنضرب أمثلة، فهذا أفضل من الاستمرار في التنظير :icon_scratch: :
المثال الأول:
بإمكان العنف أن يدمر السلطة، لكنه بالضرورة عاجز عن خلقها
أداب يونيو2008
كما ترى ، تتكون القولة من عبارتين، يجمعها رابط منطقي هو أداة الاستدراك”لكن”
يستعمل الاستدراك لنفي ما سبق أو الحد من قيمته أو صدقيته أو صلاحيته مقابل التأكيد على ما سيأتي.
ما الذي سبق؟ ما سبق قوله أن بإمكان العنف أن يدمر السلطة، أي أن يلغي سلطة قائمة. لاحظ هنا صيغة الإمكان، يعني من المحتمل، في بعض الحالات. والإمكان هو ما يتساوى وقوعه وعدم وقوعه
نعلم أن ما يأتي بعد الاستدراك، يكون أقوى في السلم الحجاجي وأقرب إلى اعتقاد المتكلم
ماذا أتى بعد الاستدراك؟ أتى “أن العنف عاجز بالضرورة عن خلق سلطة غير موجودة بعد”، لاحظ صيغة الضرورة في الشق الثاني مقابل صيغة الإمكان. والضروري هو مالا يمكن تصور عدم وقوعه !
ماهي أطروحة القولة؟ يسلم صاحب القولة بحكم على سبيل الإمكان وهو قدرة العنف على تدمير سلطة قائمة، لكنه يستدرك ليثبت حكما ضروريا وهو أن العنف عاجز عن خلق وتأسيس سلطة غير موجودة بعد
ومنه نستنتج أن وظيفة العنف وظيفة سلبية وليست وظيفة إيجابية، وظيفة إلغاء وإعدام لا وظيفة خلق وإيجاد..
والآن لماذا لا يتمتع العنف سوى بوظيفة سلبية؟ علي هنا أن أبني الحجاج المفترض الداعم لهذه الفكرة/الأطروحة قبل مناقشتها لاحقا

تمرين:
تأمل في البنية المنطقية للقولة التالية مستفيدا مما رأيناه قبل قليل:
“إن اللغة هي ما يجعل من الإنسان إنسانا، غير ان هذا الأخير كان بإمكانه أن يبدع اللغة حتى لو لم يكن إنسانا قبل ذلك”
آداب يونيو2006

المثال الثاني:
الإنسان إرادة حرة، وسلوكه لا يمليه شيء آخر سواه: فالحرية تفترض استقلالية الإرادة
آداب يوليوز 2009

لعلك تلاحظ ان هذه القولة تتكون من ثلاث قضايا أوعبارات
بين الأولى والثانية أداة عطف أو وصل هي الواو وبين هذين والثالثة وأداة تفسير هي حرف الفاء. يمكن أن تكون فاءا “سببية” لكن وظيفة التفسير تؤكده أيضا نقطتا التفسير (:). وتقدير الفاء هنا “ذلك أن..”
يقرر صاحب القولة أولا الإنسان إرادة حرة. لاحظ أنه لم يقل الإنسان هو إرادة حرة. مما يعني أن الإرادة ليست فقط صفة للإنسان، بل هي ماهيته! إذن فهو يطابق بين الإنسان والإرادة. جوهر الإنسان هو الإرادة.
على هذا التقرير عطف صاحب القولة قضية أخرى، وهي أن السلوك الإنساني لا تلميه ولا يصدر سوى عن الإنسان، وحيث أنه سبق أن طابق بين الإنسان والإرادة سنقول إن سلوك الإنسان لا تمليه سوى الإرادة وهذا يذكرنا بقولة بوسييه..إلخ لاحظ كيف أن صاحب القولة ينفي كل المحددات والحتميات لتفسير وقوع السلوك، ويرده إلى الإرادة وحدها…
فسر صاحب القولة هاتين القضيتين بقضية ثالثة تفيد “الحرية تفترض استقلالية الإرادة”، أي استقلالية الإرادة عن المحددات والحتميات سواها. و إذا قلنا (أ) تفترض (ب) معناها أن (ب) شرط (أ)، يستدعي وجود (أ) وجود (ب) أولا. أن التفكير في (أ) يستوجب التفكير في (ب).. إلخ
لاحظ كيف أن مفهومين من مفاهيم القضية الثالثة متضمنة في القضيتين الأولى والثانية: فمفهوم الحرية متضمنة في القضية رقم2، بينما مفهوم الإرادة متضمنة في القضية رقم1
أما المفهوم المركب بالإضافة: استقلالية الإرادة فمتضمن في القضية رفم2
وهذا يؤشر على التماسك المنطقي للقولة إذا ما أردنا مناقشتها وتقييمها.
ماهي أطروحة القولة إذن؟ أطروحتها كامنة في القضية رقم 1 لأن القضية رقم2 معطوفة على رقم1 ورقم ثلاثة تفسير لهما معا !!
أطروحة القولة كامنة في المطابقة بين الإنسان وحرية الإرادة، ماهية الإنسان هي الحرية أو هي إرادته الحرة، وينجم عن ذلك أن سلوكاته لا تمليها سوى إرادته، وتفسير ذلك أن الحرية تفترض كشرط لها استقلالية الإرادة (ربما تعرفت على دلالة هذا المفهوم عند كانط)

تمرين:
حاول الاشتغال على البنية المنطقية للقولة اتلالية مستعينا بما رأينه في المثال2
إن إقامة السلطة هي التي تزيل العنف، بحث تبدو بمثابة قوة لمحو العنف عبر تأسيس الحق”
تأمل في وظيفة “حيث”

المثال الثالث:
ليست النظرية معرفة، بل ما يتيح المعرفة.. إنها ليست حلا لمشكل، بل إمكانية لمعالجته
علوم- يوليوز2009

هنا ينبغي التمعن قليلا! نحن أمام قولة مكونة من شقين لهما نفس البنية المنطقية ” ليست… بل..”. وكل شق منهما مكونة بدوره من عبارتين
نعرف أن “بل” في النحو أداة إضراب. للتوضيح أكثر سنقول إنها إضراب عما سبق أي نفي لما سبق من أجل إثبات ما سيأتي
لنتأمل الشق الأول
ليست النظرية معرفة، بل ما يتيح المعرفة
مالذي تم نفيه؟ أن تكون النظرية معرفة. ومالذي قد يشكل معرفة؟ ما عسى النظرية تكون إن لم تكن معرفة؟ ما المعرفة يا ترى؟
الجواب إنها فقط أداة تتيح إمكانية المعرفة، منهج لتحصيل المعرفة وليست معرفة بحد ذاتها. لعل هذا يذكركم بالتصورات الوضعية مع بيير دوهيم مثلا حيث تقتصر وظيفة النظرية على وصف القوانين التجريبية بواسطة أقل عدد ممكن من المبادئ
بعيارة أخرى، فمادة المعرفة تكمن في التجربة.
نتابع،
في الشق الثاني نقرأ:
.. إنها ليست حلا لمشكل، بل إمكانية لمعالجته
هنا أيضا نفي وإثبات، نفي لكون النظرية حل المشكلات (سواء كانت مشكلات علمية صرفة أو مشكلات تكنلوجية) وإثبات لكونها إمكانية لمعالجة المشكل
ما عساها تكون النظرية إن لم تكن حلا لمشكلات؟ من المحتمل أن صاحب القولة يمنح للتجربة هذا الدور أي القدرة على حل المشكلات، بعد أن تقدم النظرية إمكانية وإطارا للحل. وبالفعل ينضح تاريخ العلم بأمثلة لنظريات ساهمت في دفع التجربة إلى إيجاد الحل الملائم. أشهرها مشكلة عدم ارتفاع الماء في المضخات إلى أكثر من 32 قدما (حوالي 10 متر) زمن غاليلي وتورشلي. فقد ساهمت تجربة أنبوب الزئبق المغمور في حوض زئبق في اكتشاف أصل المشكل الذي هو الضغط الجوي…
ماهي أطروحة القولة إذن؟ إنها نفي ورفض للأطروحة القائلة باحتواء النظريات على معرفة ما، إنها مجرد أداة أو منهج للمعرفة…

أتمنى أعزائي التلاميذ أن تفيدكم هذه الخطوات المنهجية في تحليل القولة لأن جودة التحليل تقاس بمدى توقف التلميذ عند القولة وحفره في معانيها وقدرته على الإنصات لمراميها في أفق استجلاء أطروحتها بأكبر قدر ممكن من الدقة.

والله الموفق :warda:
ملاحظة للزملاء المدرسين: تتداخل البنية المنطقية هنا مع البنية النحوية، ولا عجب في ذلك فالروابط المنطقية هي أصلا روابط نحوية، وقد قال أبو حيان التوحيدي في رسالة “ما بين المنطق والنحو من المناسبة” ضمن المقابسات: “النحو منطق عربي والمنطق نحو عقلي وجل نظر المنطقي في المعاني وإن كان لا يحوز له الإخلال بالألفاظ التي هي لها كالحلل والمعارض، وجل نظر النحوي في الألفاظ، وإن كان لا يسوغ له الإخلال بالمعاني التي هي لها كالحقائق والجواهر” القولة

أتمنى لكم التوفيق :warda:

Facebooktwitterredditmailby feather