أرشيف التصنيف: دروس

طبعة ثانية مزيدة ومنقحة بالكامل من كتاب عوالم الفلسفة للجذوع المشتركة

 

أخيرا وبعد طول انتظار، صدرت (أواسط شتنبر الماضي) عن دار الثقافة  طبعة ثانية، مزيدة ومنقحة بالكامل، من كتاب "عوالم الفلسة" !!! وبالمناسبة، ثمة قيد الإعداد طبعة ثانية، منقحة هي الأخرى، من كتاب "منهجية الإنشاء الفلسفي"
والجديد في هذه الطبعة (كما هو مبين في الغلاف والمقدمة والفهرس أدناه) هو المعالجة "المندمجة" لمجزوءتيْ "الفلسفة" و"الطبيعة والثقافة". وهو الإدماج الذي لم يكن إلا جزئيا وتجريبيا في الطبعة الأولى.
فعسى أن يتقبلها القراء بقبول حسن كما تقبلوا أختها من قبل. ودمتم محبينث لللحكمة

يمكن الاطلاع على نسخة تعريفية من الرابط أدناه

نسخة تعريفية من عوالم الفلسفة

 

مقدمة الطبعة الثانية

يسرنا أن نقدم للقراء الأعزاء طبعة ثانية، مزيدة ومنقحة بالكامل، من كتاب عوالم الفلسفة. ولئن لم نكن نملك، حين حررنا الطبعة الأولى، غير الأمل في أن تقع موقعا حسنا من نفوس القراء، فقد أعددنا الطبعة الحالية وكلنا، هذه المرة، ثقة وحماس بفعل القبول الحسن الذي تقبلوا به الطبعة الأولى!

لقد أقنعنا نفاذ الطبعة الأولى بصواب حدسنا ووجاهة اختيارنا عندما راهنّا على تأليف مدخل "استئناسي" إلى الفلسفة وفق منهج جديد؛ كنا نعتقد ولا نزال بأن أفضل مدخل إلى الفلسفة هو ذاك الذي لا "يحدّث" القارئ عن خصائص الفلسفة وتاريخها، بل يتيح له خوض تجربة التفلسف بنفسه؛ لا يقدم له الإشكالات الفلسفية بشكل جاهز، مجردة عن كل سياق، بل يثيرها من داخل مواقف الحياة، حتى لتبدو أنها مثارة من قِبل وجودنا الذي نعيشه، وليست مخترعَة من قِبل بعض الفلاسفة ذوي الذهن الخارق والمزاج غير المألوف.

في هذه الطبعة الثانية، أدخلنا تعديلات كثيرة: أضفنا 13 نصا جديداً، "أصلحنا" عبارات بعض النصوص أو ترجمتها لجعلها أوضح معنى وأيسر قراءة، أعدْنا صياغة أسلوب محاورة أوطيفرون وزدناها اختصارا، عدّلنا عناوين بعض الدروس، أغنينا مداخل فهرس المفاهيم، زدنا في حجم الخط المستعمل، وأصلحنا أخطاءً مطبعية.. على أن أهم إضافة تحملها الطبعة الثانية، هي تعميق الاندماج بين مجزوءتيْ "الفلسفة" و"الطبيعة والثقافة"؛ بحيث أصبحتا مندمجين في كل درس تقريبا، وفق الرؤية الآتية :

– في ما يخص الطبيعة، وضعنا ظهور الفلسفة، لا في سياق تاريخ اليونان كما جرت العادة، بل في سياق تاريخ الإنسان؛ فجاءت بدايات التفلسف موازية ومساوقة لبدايات علاقة الإنسان بالطبيعة، وقدمنا الفلسفة بوصفها أحد أشكال التفكير التي طورها وعي الإنسان بذاته في مقابل طبيعة يخافها ويريد فهمها وتفسيرها ويطمع في السيطرة عليها..

– في ما يخص الثقافة، قدمنا التفكير الفلسفي بوصفه أحد أشكال الثقافة وتأملاً نقديا فيها في آن واحد؛ هكذا مثلا استثمرنا الجدال الذي رافق دخول الفلسفة إلى بلاد الإسلام لتقديم مفهوم المثاقفة والعلاقة بين الثقافات، وجعلنا من الأحكام المسبقة مادة لممارسة الشك والنقد الفلسفيين، ومثالا لأثر الثقافة في الإنسان وكيف أنه نتاج لها ..

 

ذلك بعض جديد هذه الطبعة؛ فعسى أن يستحسنها قراؤنا كسابقتها أو أفضل.

                                                                                               (المؤلفان)

 

 

 

 

 

 

 

فهرس المحتويات

مقدمة الطبعة الثانية……………………………………………………………………………… 6

كيف أصبح فيلسوفـ(ة)ـا؟ شروطٌ ستة.……………………………………………………………. 7

كيف استعمل هذا الكتاب؟…………………………………………………………………………. 9

1. تنظيم الكتاب…………………………………………………………………………………………….. 9

2. فصول الكتاب……………………………………………………………………………………………. 9

3. بنية صفحات الكتاب…………………………………………………………………………………. 11

قواعد المنهج لحسن استثمار هذا الكتاب (للسيدات والسادة الأساتذة)………………………………… 12

1. جبابرة وبرق وعربة تطير يجرها تيْسان.. الطبيعة والأسطورة…………………………………… 14

2. من خائف عابد إلى مهيمن مسيطر.. قصة الإنسان مع الطبيعة…………………………………… 21

1. محاولات أولى لفهم الطبيعة…………………………………………………………………………. 21

2. من الخوف إلى العبادة ثم السحر…………………………………………………………………….. 22

3. السيطرة على الطبيعة………………………………………………………………………………… 27

4. من رغبة السيطرة إلى أخلاق العناية………………………………………………………………… 28

3. لو استطاعت الثيران والخيول الكلام! العقل في مقابل الخيال..…………………………………… 31

4. ولكن ما أصل هذا الكون؟ ماء؟ هواء؟ ذرات؟..بداية المغامرة الكبرى للعقل………………………… 35

1. الماء أصل الكون……………………………………………………………………………………….. 36

2. الهواء أصل الكون…………………………………………………………………………………….. 37

3. اللامتناهي أصل الكون……………………………………………………………………………….. 38

5. السلحفاة تسبق اسرع العدائين..! النسقية، الوهم، الحقيقة..…………………………………….. 43

1. التغير المستمر (هيراقليط)…………………………………………………………………………… 43

2. كل شيء ثابت (بارمنيدس)………………………………………………………………………….. 46

6. من السماء إلى الأرض.. سقراط! (دراسة مؤلَف فلسفي)…………………………………………. 53

1. محاورة أوطيفرون: الجزء الأول…………………………………………………………………….. 54

2. محاورة أوطيفرون: الجزء الثاني…………………………………………………………………… 57

3. محاورة أوطيفرون: الجزء الثالث…………………………………………………………………… 61

4. محاورة أوطيفرون الجزء الرابع……………………………………………………………………. 63

7. فلسفة، فيلوصوفيا، حكمة..! أصل الكلمة………………………………………………………. 69

8. الفلسفة في مواجهة التحريم..! الفلسفة في بلاد الإسلام………………………………………….. 72

9. المثاقفة والعلاقة بين الثقافات: الفلسفة في معرض الدفاع……………………………………….. 77

1. الكندي: تعاون الأمم على إصابة الحق………………………………………………………………. 77

2. ابن رشد: الإفادة من المخالف في الملة………………………………………………………………… 79

3. صراع الثقافات وتعايشها……………………………………………………………………………. 81

10. هل بعد جميع الاتجاهات توجد اتجاهات أخرى..!؟ مدخل إلى المنطق……………………………. 85

1. القضايا…………………………………………………………………………………………………. 86

2. الإستدلال……………………………………………………………………………………………….. 88

3. العكس المستوي……………………………………………………………………………………….. 89

4. القياس…………………………………………………………………………………………………. 90

5. الاستقراء………………………………………………………………………………………………. 91

11. هل تساعد الفلسفة على علاج نزلة برد!؟ الفلسفة الحديثة والعلم الظافر………………………… 93

1. النهضة العلمية الحديثة: معالم تاريخية…………………………………………………………… 93

2. المنهج وسر نجاح العلم………………………………………………………………………………. 96

3.  آمال العلم ووعوده……………………………………………………………………………………. 97

12. لماذا تخلف العرب وتقدم غيرهم!؟ انشغالات الفلسفة المعاصرة……………………………….. 102

13. بحثا عن كاسبر والأشباح… مع الفيلسوف في مغامرة الشك…………………………………… 107

1. الشك في شيء من الأشياء…………………………………………………………………………… 107

2. الشك في كل الأشياء والمعارف……………………………………………………………………… 112

3. الشك في وجودي……………………………………………………………………………………… 114

14. أيتها الدابة! لِمَ لا تحدثيني عن سعادتك؟ التفلسف والدهشة…………………………………. 117

1. لنجرب الدهشة، لنندهش أولا…………………………………………………………………….. 117

2. لنكتشف سر هذه الدهشة…………………………………………………………………………. 119

3. في الفرق بين الدهشة وحب الاستطلاع…………………………………………………………… 121

15. لقد قلت لك: ناولني كرسيا.. كلمات ومفاهيم، من الكرسي إلى الثقافة………………………….. 123

1. المعنى العام أو الحد الكلي…………………………………………………………………………… 125

1. النوع، الجنس والفصل……………………………………………………………………………… 126

2. شروط التعريف……………………………………………………………………………………… 127

3. صحبة الفيلسوف وهو يعرّف (مفهوم العدالة)………………………………………………… 128

4. صحبة الفيلسوف وهو يعرّف (مفهوم الثقافة)……………………………………………….. 130

16. هل المصارعة غير عادلة بالنسبة للثيران؟ مفارقات المؤسسات الإنسانية……………………….. 135

1. مفارقات العدالة…………………………………………………………………………………….. 136

2. مصدر المفارقات……………………………………………………………………………………. 138

17. قاتل نال عقوبته. إنه يستحق، لكن. . الجواب الذي يتحول إلى سؤال!………………………….. 140

18. استعباد النساء.. الأحكام المسبقة و تأثير الثقافة……………………………………………. 144

1. الإنسان كائن ثقافي يخرج من رحِم الثقافة…………………………………………………….. 144

2. اﻷحكام المسبقة…………………………………………………………………………………….. 146

3. شرنقة اليومي………………………………………………………………………………………. 149

19. إحراق الضالين أحياءً.. التعددية الثقافية بين التسامح والتعصب…………………………….. 152

1. اختلافنا عن بعضنا…………………………………………………………………………………. 152

2. التعددية الثقافية وفكرة التسامح………………………………………………………………… 153

3. فهم التعصب: الإنسان نتاج الثقافة ومنتجها………………………………………………….. 157

20. هل الإنسان مُخيّر أم مُسيّر؟ الفلسفة والحِجاج………………………………………………. 162

21. وجها جانوس.. أسباب الوضعية القلقة للفلسفة في بلاد الإسلام………………………………. 167

1. الوجه الأول: اﻻحتفاء بالفلسفة………………………………………………………………….. 167

2. الوجه الثاني: التوجس من الفلسفة ورفضها…………………………………………………… 168

22. والآن، ماذا تعني الفلسفة؟أخيرا! مشكلة تعريف الفلسفة…………………………………….. 170

23.  انكسمندريس، فيثاغورس..لِمَ هذه الأسماء الغريبة!؟ الإغريق؟………………………………. 176

1. أين تقع هذه "اليونان"!؟………………………………………………………………………….. 176

2. ثم لماذا اليونان؟……………………………………………………………………………………… 178

3. هل هي معجزة؟…………………………………………………………………………………….. 179

كيف أقرأ نصا فلسفيا؟ خطوات القراءة الفلسفية المنهجية………………………………………… 181

ملحق………………………………………………………………………………………… 183

فهرس الأعلام والمفاهيم والكفايات………………………………………………………………. 184

 تفصيل قواعد المنهج لحسن استعمال الكتاب..(للمدرس/ين/ات)………………………………… 186

مقتطفات من التوجيهات التربوية والبرامج لمادة الفلسفة الخاصة بالجذوع المشتركة………………… 190

 

.

Facebooktwitterredditmailby feather

دروس السنة الثانية

تجدون في هذه الصفحات دروس مادة الفلسفة وفق مقرر وزارة التربية الوطنية بالمملكة المغربية. وبما أن درس الفلسفة خلاصة مؤقتة لفعل التفكير الحي والمستمر الذي يكون الفصل الدراسي مسرحا له، فإن هذه الدروس لاتقدم نفسها كصيغة جامدة ونهائية بقدر ماتريد أن تكون أداة من بين أدوات أخرى كثيرة لتغذية تفكير التلميذ
وقد حرصت حرصا مقصودا على تقديم المواد المعرفية بشكل مجزأ متمفصل ما أمكن ليتسنى إستعمالها وإعادة إستعمالها لمعالجة إشكالات متعددة ومتنوعة ذلك أن التحدي الأكبر الذي يواجه درس الفلسفة ودارسه ( أي التلميذ) هو نفس التحدي المطروح على اللغة ومستعملها، ويتمثل في القدرة على التعامل الذكي مع مواقف وإشكالات متعددة لاحصر لها ولايمكن التنبؤ بها مسبقا ( الأسئلة المفتوحة، النصوص، الأقوال المطلوب تحليلها ومناقشتها)إنطلاقا من أدوات معرفية محدودة ينبغي إعادة تركيبها كل مرةلتتلاءم مع الوضعية المشكلة أو الإشكال مما يعني أن هذه الدروس لاتقوم مقام التلميذ ولاتعفيه من المهمة المطالب بها وهي إعمال الفكر بشكل حقيقي وصادق لفهم النصوص والأسئلة المطروحة عليه مستعينا بالأدوات المعرفية من مواقف ومفاهيم وإستشهادات ومعالجات التي تقدمها هذه الدروس وغيرها مما في متناوله. . وأخيرا فمادام أن درس الفلسفة درس لمعالجة إشكالات، فإنه لايخلو من الطابع الإشكالي بدوره، يتجلى ذلك في أنه، وإن كان محاولة للفهم، فإنه يترك على الدوام بقية من عدم الفهم…
هذا وقد توخيت في هذه الدروس البساطة من غير تفريط في الدقة، وابتعدت ما أمكن عن الجعجعات التجريدية التي لا تنتج فهما في ذهن المتعلم، ملتزما في ذلك مبدأين:

  • مبدأ بيداغوجي، تلح عليها المذكرات والتوجيهات التربوية منها ماورد مثلا في منهاج الفلسفة 1996 والذي نقرأ في صفحته الحادية عشرة:
    "يتم تقريب الفكر الفلسفي من التلميذ من خلال احترام مطالب التفكير الفلسفي وهي مطالب تقوم على إدراك صدق المشكل المطروح بالنسبة للإنسان؛ ووضوح تفريعاته وقيادة الفكر قيادة سليم، منطقية و نزيهة، فبعل هذه السيرورة تقرب الأفكار الفلسفية من التلميذ، لإذا ماكانت سيرورة منطقية وواضحة تدعو الفرد إلى الإنخراط فيها انخراطا طبيعيا
  • -مبدأ فلسفي، عبره عنه جون لوك يقوله:
    لاينبغي أن نتسرع في طرح أسئلة على أنفسنا وعلى الآخرين يغلب عليها طابع السجال والتردد بشأن مواضيع لا نقدر على تكوين أية فكرة واضحة ومتميزة عنها

وأخيرا فإني أتوقع أن يجد الكثير من تلاميذتي في ثنايا هذه الدروس أصداءا لأقكار أَدْلوْا بها أو نقاشات ساهموا فيها في لحظة من لحظات الدرس ؛ وإذا حدث ذلك، فليعتبروه جزءا من رد الجميل لهم جزاءا لانخراطهم الرائع والصادق في سيرورة الدرس…

cours2kitab

Facebooktwitterredditmailby feather

دروس السنة الأولى

تجدون في هذه الصفحات دروس مادة الفلسفة وفق مقرر وزارة التربية الوطنية بالمملكة المغربية. وبما أن درس الفلسفة خلاصة مؤقتة لفعل التفكير الحي والمستمر الذي يكون الفصل الدراسي مسرحا له، فإن هذه الدروس لاتقدم نفسها كصيغة جامدة ونهائية بقدر ماتريد أن تكون أداة من بين أدوات أخرى كثيرة لتغذية تفكير التلميذ ومن المؤكد أن كثيرا من تلاميذتي سيجدون في ثنايا هذه الدروس أصداءا لأقكار أَدْلوْا بها أو نقاشات ساهموا فيها في لحظة من لحظات الدرس ؛ وقد حرصت حرصا مقصودا على تقديم المواد المعرفية بشكل مجزأ متمفصل ما أمكن ليتسنى إستعمالها وإعادة إستعمالها لمعالجة إشكالات متعددة ومتنوعة ذلك أن التحدي الأكبر الذي يواجه درس الفلسفة ودارسه ( أي التلميذ) هو نفس التحدي المطروح على اللغة ومستعملها، ويتمثل في القدرة على التعامل الذكي مع مواقف وإشكالات متعددة لاحصر لها ولايمكن التنبؤ بها مسبقا ( الأسئلة المفتوحة، النصوص، الأقوال المطلوب تحليلها ومناقشتها)إنطلاقا من أدوات معرفية محدودة ينبغي إعادة تركيبها كل مرةلتتلاءم مع الوضعية المشكلة أو الإشكال مما يعني أن هذه الدروس لاتقوم مقام التلميذ ولاتعفيه من المهمة المطالب بها وهي إعمال الفكر بشكل حقيقي وصادق لفهم النصوص والأسئلة المطروحة عليه مستعينا بالأدوات المعرفية من مواقف ومفاهيم وإستشهادات ومعالجات التي تقدمها هذه الدروس وغيرها مما في متناوله. . وأخيرا فمادام أن درس الفلسفة درس لمعالجة إشكالات، فإنه لايخلو من الطابع الإشكالي بدوره، يتجلى ذلك في أنه، وإن كان محاولة للفهم، فإنه يترك على الدوام بقية من عدم الفهم…

Facebooktwitterredditmailby feather

التاريخ – مجزوءة الوضع البشري

ا

I-المحور الأول: إشكالية المعرفة التاريخية

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) يواجه علم التاريخ ومعه المعرفة التاريخية وضعية فريدة بين العلوم الإنسانية: فهو علم دراسة الماضي، مما يعني أن المؤرخ يدرس واقعا ولى وانقضى كما يقول ريمون آرون، واقعا تفصله عنه مسافة زمنية وثقافية، واقعا لم يعد له وجود! فما يوجد اليوم وجودا ماديا فيزيائيا ينحصر في الآثار والوثائق. يتعين على المؤرخ إذن أن ينطق ويستنطق وينتقي هذه “المخلفات” ليعيد بناء الوقائع التاريخية مما يجعل من المعرفة التاريخية معرفة مبناة بامتياز

طرح الإشكال: ضمن أية شروط تكون المعرفة التاريخية المبناة مطابقة لموضوعها أي للحدث كما وقع فعلا؟ ما هي شروط إمكان المعرفة التاريخية كمعرفة علمية؟ هل يمكن للمؤرخ أن يستفيد من المسافة الزمنية التي تفصله عن الواقعة التاريخية وعن الفاعلين التاريخيين ليتناول مادة علمه بموضوعية بعيدا عن الذاتية أم أن دراسة الماضي لاتتم إلا بدافع من انشغالات الحاضر وضمن ايديولوجياته؟ كيف للمعرفة التاريخية أن تستعيد ليس فقط الواقعة التاريخية في بعدها الحدثي المادي بل وأيضا “أحداث الوعي”أي نيات الفاعلين ومقاصدهم ومحتويات وعيهم؟

معالجة الإشكال:

1- المعرفة التاريخية ورهان الدقة والموضوعية: المنهج النقدي

مثلما حذر بورديو من السوسيولوجيا العفوية أي تلك المعرفة الاجتماعية التلقائية التي يملكها الفاعل الاجتماعي حول الظواهر الاجتماعية من حوله، يتعين على المؤرخ أيضا أن يحذر من المعرفة التاريخية العفوية التي يدعوها ابن خلدون بظاهر علم التاريخ وهي تلك المعرفة التي يملكها كل واحد عن الماضي في شكل روايات وأخبار تتداولها وتتناقلها الأجيال. لايكون التاريخ علما إلا بوصفه نقدا وتفسيرا. فالنقد يتجلى في تمحيص وتحقيق هذه الروايات وسبرها بمعيار الحكمة و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار وفحصها على ضوء أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و الوقوف على طبائع الكائنات وقياس الغائب على الشاهد.
ولكن تحقيق الخبر التاريخي يحتاج أيضا إلى تفسيره للكشف عن علة ومنطق الأحداث التاريخية المتضمنة فيه والمبدأ المتحكم في حدوثها وتعاقبها…

2- حدود المنهج النقدي في التاريخ:

ماهي حدود المنهج النقدي في التاريخ؟ ألا يواجه علم التاريخ نفس الصعوبات الميتودلوجية ونفس الإشكالات الإبستملوجية التي تواجهها باقي العلوم الإنسانية؟
ربما يوحي النقد بأن المؤرخ منكب على موضوعه بتجرد وقد وضعه على طاولة البحث تحت مجهر النقد، ولكن الموضوع ظاهرة إنسانية. والمعركة كما يقول آرون ليست فقط حدثا ماديا فحسب ذلك أن لتصرفات المحاربين دلالاتها ولتصرفات الضباط مقاصد وغايات ونيات…، وباختصار فالمؤرخ يدرس أحداث الوعي أيضا. الا تستدعي المعرفة التاريخية بهذا المعنى نوعا من التعاطف والتفهم من قبل المؤرخ للنفاذ إلى دلالات الواقعة بالنسبة للفاعل التاريخي؟ ولكن ألا تتعارض هذه الذاتية مع مطلب الدراسة العلمية الموضوعية كما يلح عليها الوضعانيون؟ وماهي حدود الدقة التفسيرية التي التي يطمح إليها المؤرخ؟ يرى مارو أن بناء الواقعة التاريخية ثمرة تلاقح بين المنهج النقدي والتعاطف، بحيث يصحح أحد الطرفين إفراط الآخر. والتعاطف أو المشاركة الوجدانية عند مارو خروج المؤرخ من ذاته لملاقاة الغير (التاريخي)، بحيث تقوم بينه وبين موضوعه ضرب من الصداقة لايصح الفهم والتفسير بدونها. إن التعاطف هو مرحلة البناء التي تعقب الهدم الذي يمثله المنهج النقدي

I-المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدم

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) أوضح ابن خلدون بأن ظاهر علم التاريخ لا يختلف عن باطنه في التحقيق والتمحيص فحسب بل يزيد عليه بالتعليل والتفسير أي الكشف عن علل الأحداث ومبادئها. وبذلك يكون التصور الخلدوني جامعا لعلم التاريخ وفلسفة التاريخ معا، لأن هذه الأخيرة تتجاوز تحقيق الوقائع إلى البحث في علة حدوثها ومبدأ تعاقبها بل في منطق ومعنى السيرورة التاريخية ككل.

طرح الإشكال: هل هناك منطق ثاو خلف تعاقب الأحداث التاريخية أم أن التاريخ هو مملكة الصدفة والعرضي؟ هل هناك معنى لهذه السيرورة وهل التاريخ قابل للتعقل؟ وإذا كانت ثمة منطق للسيرورة التاريخية فهل يمكن أن نستخلص منها غاية التاريخ ونتنبأ بوجهته التي يمضي نحوها ؟ وإذا وجدت غاية للتاريخ أفلا يعني أن صيرورة التاريخ يمضي نحو نهاية التاريخ؟

معالجة الإشكال:

1- التاريخ الدوري والغياب التام لفكرة التقدم

السيرورة التاريخية في المستوى الخام وقبل كل تفسير هي تعاقب لأحداث. وأبسط أنواع الظواهر المتعاقبة التي يسهل الكشف عن منطقها هي الظواهر الطبيعية الكبرى ( تعاقب الليل والنهار، الفصول، أطوار حياة الكائن…) ولقد اتضح للإنسان مبكرا أن منطقها منطق دوري إذ أن الظواهر تتالى وتتعاقب وتنمو وتندثر لتعود مجددا إلى طورها الأول . لقد استعير هذا المنطق لفهم السيرورة التاريخية فيما يعرف بالعود الأبدي الذي نجده في الكثير من الميثلوجيات وبعض الفلسفات كفلسفة نيتشه.
تمثل فلسفة التاريخ الخلدونية ونظريته في العصبية نموذجا للتصور الدوري للتاريخ الذي تغيب عنه فكرة التقدم والتراكم. لقد استطاع ابن خلدون أن يلتقط المبدأ المفسر للسيرورة التاريخية أو للعمران البشري متمثلا في أهم مظاهره وهي الظاهرة السياسية أو الدولة. إن العصبية هي العامل المفسر لقيام الدول وانهيارها. والعصبية كما الدولة يبدآن بالفتوة ثم القوة فالهرم والشيخوخة والإندثار: تبدأ الدولة الجديدة كدعوة تتخد من العصبية مصدرا لقوتها داخل قبيلة واحدة تتقوى لتضم تحت سيطرتها قبائل أخرى وبمقدار ماتتسع سطوتها تتحول إلى طور الدولة وما يصاحب ذلك من استقرار وتشييد وتنظيم إداري ومالي وعسكري… ولكن بقدر ما تتوسع مظاهر العمران، تضعف وظيفة العصبية والحاجة إليها لممارسة السلطان. وكأن تطور الدولة يحمل في ذاته بذور تلاشيه: ذلك إن اتساع الرقعة الجغرافية للدولة وعدد جيوشها ودواوينها وتنوع أصناف البذخ يرهق ميزانيتها فيدفعها إلى فرض المزيد من المكوس والضرائب وممارسة صنوف الجور والإفراط… فتدب الإنشقاقات والثورات والوهن في جسمها، مما يوفر الشروط لنشوء دعوة جديدة لاتزال العصبية فيها فتية قوية، تنقض على الدولة الواهنة… وهكذا دواليك ليبدأ دور أو طور جديد

2 -التاريخ وفكرة التقدم

ألا يمكن أن نجد للصيرورة التاريخية منطقا آخرا غير التكرار الدوري الارتدادي الذي يعيد إنتاج نفسه ولا يضيف شيئا؟ ألا تتضمن السيرورة التاريخية نوعا من التراكم بحيث يحتفظ الدور اللاحق بشيء من الدور السابق ويضيف له ويتجاوزه؟ وإذا صح شيء من ذلك فإلى أية وجهة يمضي هذا التراكم والتجاوز؟
يرى “تيودور شانين” أن جاذبية فكرة التقدم تعود إلى بساطتها وتفاؤليتها، فهي تعني أن كل مجتمع يسير نحو الأعلى على طريق طويل بيتعد فيه تدريجيا عن الفقر والبربرية والاستبداد والجهل ليمضي نحو الثراء والحضارة والديموقراطية والعقل.
يظهر التصور التراكمي للتاريخ في كتابات باسكال (1662-1623) وبالخصوص في مقدمته لكتاب “عن الفراغ” حيث تصور تاريخ البشرية كرجل واحد، عمره كل هذه القرون، لايتوقف خلالها عن التعلم المستمر ؛ كوندورسيه (1743-1794) في كتابه ذي العنوان الدال: ” جدول تاريخي لتقدم الجنس البشري”
تعكس لنا فلسفة التاريخ مع هيغل هذا التفاؤل الذي ميز بالخصوص عصر الأنوار في امكانية تقدم مطرد للجنس البشري نحو مزيد من المعرفة والحرية والسيطرة على الطبيعة، وقد استدمج التصور الهيجيلي مفهوم السلب والنفي ضمن صيرورة جدلية يتجاوز فيها اللاحق السابق و في نفس الوقت يحتفظ في مركب أعلى بما هو جوهري فيه. ولكن هذا “الرقي” يفترض غائية للتاريخ، ومادام التاريخ ليس سوى تجليات لفكرة أو روح تسعى لوعي نفسها وللتطابق مع ذاتها بدءا من أبسط مظاهر الطبيعة وصولا إلى أعقد مظاهر التاريخ وأرقى أشكال المعرفة، فإن التاريخ الكوني هو سيرورة التقدم الذي يحرزه وعي الحرية، ولامناص من الاعتراف بالطابع الضرروري لهذا التقدم والتي هي ضرورة منطقية في العقل قبل أن تكون ضرورة واقعية في التاريخ. بهذا المعنى فحتى مشاهد الدمار وظواهر الحرب ولحظات الكبوات ليست سوى انتكاسات سطحية تخفي التقدم العميق والصامت الذي تخوضه الفكرة وهي تتقدم نحو غايتها المتمثلة في الحرية. ونجد نفس هذه النظرة التفاؤلية وتأويلها “الإيجابية للكوارث” لدى لايبنز أيضا

3- نقد فكرة التقدم – ريمون آرون

قلنا إن فكرة التقدم بنت عصر الأنوار، ولذلك فقد ورثت هذه الفكرة النزعة الإنسية الكونية لذلك العصر ، مما يعني أن كل المجتمعات البشرية تتقدم بوتائر متفاوتة، ولكن على نفس المسار الخطي التراكمي، وهو مايؤدي حسب ليفي ستروس إلى إذابة الاختلافات بين المجتمعات والثقافات والحكم عليها بمنطق التقدم الغربي العلمي،التقني، الصناعي والقيمي.
أما بالنسبة لريمون آرون،فإن فكرة التقدم تتضمن حكما معياريا قيميا ينتقص من علميتها، مفاده أن المجتمع اللاحق أفضل من السابق، علاوة على أنه حكم ذو صلاحية قطاعية لايمكن أن تنسحب على التاريخ برمته: فإذا كنا نعاين في مجالي العلم والتقنية تراكما وتقدما لاسبيل إلى انكارهما لأن طبيعتهما تفرض تقدما يمكن قياسه دون تقييم، فإن إثبات التقدم في مجالات الفن والدين والاقتصاد والسياسة يظل قضية إشكالية.
ويمضي ريمون آرون في نقده لفكرة التقدم إلى إبراز خلفيتها الميثولوجية وكذا استعمالاتها السيئة داخل فلسفة التاريخ، الهيغيلية منها أو الماركسية،وكذا الأطروحات اللاحقة لفوكوياما حول نهاية التاريخ. ذلك أن فكرة التقدم لاتنفصل عن فكرة نهاية التاريخ: فالقول بفكرة التقدم يفترض أولا وجود غائية تاريخية وحتمية ترسم للسيرورة التاريخية مسارها المحدد سلفا بهذه الغائية، ويفترض ثانيا وجود نهاية للتاريخ تمضي نحوها هذه السيرورة بما هي مسيرة نحو الخلاص.
بيد أن فلسفات التقدم تسقط بشكل لامفر منه في نزعة محافظة وتبريرية وذلك في خلطها بين فكرة عقلية ليس لها سوى استعمال معياري وبين شكل متعين قائم من أشكال النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ( مثلما فعل هيغل حين طابق بين الدولة البروسية والعقل، أو ماركس حين جعل من المرحلة الشيوعية وسيطرة البروليتاريا نهاية الصيرورة التاريخية، أو فوكوياما حين جعل من الديموقراطية الليبرالية نهاية التاريخ…)

 

المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ:

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) إن البحث في دور الإنسان في التاريخ لهو استمرار للتساؤل حول منطق التاريخ وغايته، ذلك أن القول بوجود منطق وغاية للتاريخ يقتضي أن الصيرورة التاريخية تمضي وفق مبادئ وقوانين موضوعية مادية أو عقلية بعيدا عن الذاتية المتقلبة للإنسان المفرد أو المسارات المباغتة للصدفة العمياء، أي إحلال عامل أو مبدأ ما محل الإنسان في توجيه دفة التاريخ.
فمن جهة يبدو الإنسان هو صانع تاريخه من خلال بطولة الأبطال وتضحيات المحاربين و ثورات الشعوب، ومن جهة أخرى يبدو أن بطولة هؤلاء وثورات أولئك قد صنعتها ظروف مواتية. هل يمكن مثلا أن نرجع توسع الدولة الإسلامية ماضيا إلى استبسال المسلمين وقوة إيمانهم وشجاعتهم ونفسر إنحسارها اليوم بتخاذلهم وجبنهم أم أن ذاك التوسع وهذا الإنحسار إنما يرجع إلى عوامل اقتصادية وسياسية عالمية تتجاوز الإطار المحلي. من قبيل الاكتشافات الجغرافية والنهضة الأروربية…

طرح الإشكال: إذا كان المؤرخ لا يعتني بهبوب الرياح قدر اعتنائه بمجهود الإنسان في استخدام قوتها لتوجيه سفنه للتجارة أو شن الحروب، ولايهتم بفيضانات الأنهار إلا من حيث أنها تتقاطع أو تؤثر على حياة إنسانية قائمة بجوارها… فلأن أحداث الماضي لاتكون موضوعا للتاريخ إلا من حيث أن الإنسان هو مُحدثها أو محورها على الأقل. ما حقيقة كون الإنسان “مُحدثا” للحدث التاريخي؟ هل يعني ذلك أن الإنسان هو من يصنع تاريخه ويوجه دفة صيرورته؟ أم أن الصيرورة التاريخية مشروطة بعوامل موضوعية تفوق إرادة الإنسان نفسه الذي ليس سوى جزء من بنية تتجاوز وعيه وإدراكه؟

معالجة الإشكال:

1- الإنسان مجرد أداة عرضية لتحقق الفكرة – هيغل

تاريخ العالم عند هيغل مجرد تمظهر لسعي الروح نحو معرفة ذاته، وإذا كانت البذرة تحوي في ذاتها كامل خصائص الشجرة من مذاق وشكل فاكهة التي ستظهر لاحقا، فإن اللحظات الأولى للتاريخ بما هي آثار أولى للروح تحتوي بالقوة مسبقا أيضا كل التمظهرات اللاحقة التاريخ. ماذا يتبقى إذن للإنسان من دور في تاريخ محدد قبليا؟
لاأهمية للبشر /الأفراد عند هيغل إلا بقدر ما يكون هؤلاء أدوات لتحقيق اغراض أسمى، وبقدر ما تتمثل فيهم حقبة من حقب الفكر المطلق. بل إن أبطال التاريخ وعظماءه بدورهم لايحققون إرادتهم الخاصة ولا يسعون لنيل سعادتهم الشخصية بقدر ما يمتثلون لروح العصر التي تستعملهم وتتحقق بهم ومن خلالهم وتجاوزهم

2- ماركس: (الشروط المادية)تطور قوى الإنتاج هي المحركة للصيرورة التاريخية

ماهذه الفكرة أو الروح المطلق التي تستعمل البشر – شعوبا وقادة – لتحقق نفسها !؟
في هذه النقطة بالذات تمثل فلسفة التاريخ الماركسية تجاوزا لفلسفة التاريخ الهيغيلية، إذ أن الفكرة أو الروح المطلق التي كانت تتجلى تدريجيا عبر التاريخ وتحرك خيوطه وتسير أبطاله، حلت محلها – في الماركسية – عوامل مادية هي ظروف الإنتاج المادي للحياة بيد أن موقع الذات الإنسانية في التاريخ ظل في الماركسية على ماهو عليه، : ففي الوقت الذي يعتقد الفاعل التاريخي أنه يتصرف وفق ما يختاره من معتقدات دينية أو ما يتبناه من مبادئ سياسية يبين التحليل المادي للتاريخ أن المعتقدات الدينية والمبادئ السياسية ماهي إلا انعكاس للبينة التحتية الإقتصادية، أي لمستوى معين من تطور قوى الإنتاج. وعلى ضوء التحليل الماركسي، لاتعدو أن تكون بطولات نابليون وروبيسبيير حماس جماهير وأحزاب الثورة الفرنسية سوى إنجاز لمهام عصرهم المتمثلة في انبثاق المجتمع البرجوازي وتفكيك المؤسسات الفيودالية.
وإذا كان الوعي هو النمط الوحيد الذي يمكن من خلاله إثبات فعل الإنسان في التاريخ، فإن هذا الوعي نتاج للوجود الاجتماعي وليس العكس

3- سارتر- الإنسان صانع تاريخه

ولكن إذا كانت الماركسية تقدم نفسها كتحليل علمي للتاريخ يكشف النقاب عن القاعدة المادية المسؤولة في الواقع عن الصيرورة التاريخية، ألا تتيح هذه المعرفة للإنسان الانفلات حتمية هذه الصيرورة؟
يرى سارتر أن الماركسية قد أسيء تأويلها بشكل تبسيطي أو أن إمكانيتها لم تستثمر بشكل كامل: إن الماركسية فلسفة للحرية أو بالأحرى للتحرر ليس فقط للإنسان الفرد بل للطبقة المستغلة بأسرها، ذلك أن التاريخ لايكون قوة غريبة تستلب البشر إلا مادامت دلالة مجهوداتهم غريبة عنهم والحال أن التحليل الماركسي يقدم الأدوات الكفيلة بالتعرف على المنتوج وفهم سيرورته، من خلال مفاهيم قوى الإنتاج ، علاقات الانتاج،الصراع الطبقي، وأشكال الاستيلاب والايديولوجيا… وبذلك تصبح الممارسة الإنسانية ممارسة مستنيرة بالوعي لاممارسة عمياء قد تنقلب نتائجها ضدها.

Facebooktwitterredditmailby feather

دروس الفلسفة للسنة الأولى- الرغبة

ملاحظة حول هذه الدروس والملخصات

اانتبه هذا ليس درسا! بل مجرد مواد وعناصر لبناء الدرس فالدرس هو ذلك الفعل الحي والمتجدد الذي يكون الفصل الدراسي مسرحا له، ولاوجود له خارج هذا الفضاء حيث تتفاعل الفكرة الملقاة مع ردود أفعال المتعلمين المتجلية في أسئلتهم أو في تلك الارتتسامات البادية على وجوهم، كما تتفاعل مع انتباههم ولا مبالاتهم أيضا ..!إن الدرس هو ذلك المشروع الذ لاننتهي منه أبدا..!
قراءة المزيد

 

محاور الدرس:

الوضعية المشكلة:
هل نحن الذين نمتلك مانرغب فيه أم أنه هو الذي يمتلكنا؟

المستهدف من الوضعية المشكلة
نستهدف من هذه الوضعية-المشكلة دفع المتعلم إلى التفكير في مفهوم التملك: ما نتملكه وما يتملكنا ، داخل وضعية تراجيدية حيث يتعين الاختيار بين حب البقاء وحب الذهب وصولا إلى التمييز ولو بشكل أولي حدسي بين مفاهيم “الرغبة”، “الحاجة” و “الإرادة”

لنتأمل القصة أو الموقف الحياتي التالي بغض النظر عن طبيعته الواقعية او المتخيلة:

وضعية مشكلةوضعية مشكلة: يحكى ان سفينة أوشكت على الغرق، فسارع الركاب الى رمي انفسهم في البحر طلبا للنجاة سباحة وكان بينهم مسافر أصر على ألا ينجو إلا وبصحبته ثروته من الذهب، فما كان منه الا ان أوثق جيدا صرة أو صرتين إلى خصره، ولكنه ما إن تأمل الثروة الباقية حتى بدا له بسرعة أن ما أوثقه قليل، فأضاف المزيد، ومع ذلك كان الباقي لايزال أكبر مما حمل! فأضاف المزيد ثم المزيد، وأخيرا قرر أن يلقي بنفسه في البحر إسوة بباقي المسافرين، فكان مصيره أن هوى مباشرة الى القاع السحيق وغرق بسبب ثقل وزن الذهب! المسافر الذي أصر على النجاة بصحبة الذهب

بعض أسئلة:

من أغرق الآخر؟ هل أغرق الذهب صاحبه أم أن المسافر أغرق الذهب؟ ومن كان يمتلك الآخر؟ هل امتلك المسافر الذهب فحاول ان ينجو بما يملك؟ ام ان الذهب امتلك صاحبه فهوى به الى حيث تمضي كل الأجسام الثقيلة، إلى القاع؟ وما الذي اودى بمسافرنا؟ هل الحاجة الى الذهب ام رغبته فيه؟ هل يستوي الحرص على الحياة والنجاة مع الحرص على الذهب؟ ولكن ربما قدر مسافرنا بأن حياته هي هذا الذهب! ولاقيمة لها بدون هذا الذهب الذي أفنى زهرة شبابه لجمعه، وإلا لما يخاطر “الحراكة” بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى؟!

اانتبه انفتاح ممكن: يمكن هنا الانفتاح على التحليل الهيغيلي الذي يتناول الرغبة باعتبارها تجاوزا للوجود المباشر والطبيعي، ولحظة من لحظات الوعي بالذات، تلك الرغبة التي يغامر فيها الفرد بحياته ليتبث أن لم يعد متشبتا بالحياة أو غارقا في الطبيعة هنـــــــا

هل تستوي الرغبة التي يستشعرها المرء لامتلاك الذهب مع الرغبة في شرب الماء عند اشتداد الحر والاحساس بالعطش مثلا؟
إذا اتفقنا على أن الميل مختلف في كلا الحالتين فلابد أن نخص كل ميل بمصطلح (مفهوم) لتمييزه عن الميل الآخر

المفهمة أو البناء المفاهيمي:

لنحاول استثمار نتائج اشتغالنا على الوضعية المشكلة من أجل تحديد دلالات المفاهيم الأساسية

  • لا شك أن الاحساس بالعطش وماشاكله من الدوافع الملحة تعبير عن نقص أو خصاص بيولوجي يتعين ازالته واشباعه لاستعادة حالة التوازن. سنسمي هذا الدافع حاجة، ويتضح أن الحاجة ملحة وضرورية وان عدم اشباعها يهدد التوازن الداخلي للكائن وحياته وبقاءه. ومن أمثلة الحاجات: الحاجة الى الأكل والشرب والنوم والحماية من ظروف الطبيعة القاسية.
  • أما الميل إلى حيازة الذهب وما شابهه من الميول فلا يحمل الطابع الغريزي للحاجات، بل هو ميل مكتسب، تساهم الثقافة في خلقه وتنميته, ونسمي هذا النوع الثاني من النزوع الرغبة، ولاتنصب الرغبات على مواضيع واقعية فحسب بل و متخيلة أيضا كما في الاستيهامات، ومن بين مواضيع الرغبات : اقتناء ألبسة الموضة، الاستجمام في البحر، الحصول على وسائل الرفاهية، التدخين لدى البعض…
    إشكال: ألا تتحول الرغبات احيانا الى مايشبه الحاجات؟ عندما تتخد طابعا ضروريا وملحا؟ كما حدث للمسافر حيث ارتفع الحرص على الذهب درجة إلحاحه إلى مستوى الحرص على الحياة. ولكن ماذا تعني حياته اللاحقة بدون ثروته؟
  • ولكن الميل الى موضوع قد يكون ميلا مصحوبا بالتصميم والمثابرة والوعي؛ وننسبه في هذه الحالة إلى الارادة. وفي الغالب، لا يظهر عمل الارادة الا في تضاد مع إلحاح الحاجة او ضعط الرغبة لذلك تعرف الارادة احيانا بانها القدرة على الاختيار بين عدة إمكانيات، اختيارا واعيا مصحوبا بتدبير وتقدير ومحاكمة عقلية للأمور.

1-من الحاجة إلى الرغبة: أو جدل الرغبة والحاجة.

تحليل نص من الحاجة الى الرغبة لصاحبته “ميلاني كلاين”
سؤل النص او اشكاله المركزي:
كيف تنبثق الرغبات عن الحاجات؟ كيف تنتهي الرغبة غير المشبعة إلى الاحباط؟ مادور الرغبة، مشبعة أو محبطة، في تشكيل الانا وتثبيته وفي تكوين الشخصية بصفة عامة؟
أطروحة النص:
شخصية الإنسان-الراشد هي حصيلة الاشباعات و الاحباطات التي تعرضت لها رغباته خصوصا الرغبة الاولية، ألا وهي الرغبة في ثدي الام
تحليل اطروحة النص
* يبدأ ارتباط الرضيع بثدي امه كتعبير عن الحاجة الى التغذية بوصفه كائنا حيا سرعان ماتتحول هذه الحاجة الى رغبة في الشعور بالحماية والأمان والتخلص من الخوف والقلق الاضطهادي والدوافع التدميرية.
ولكن القلق الاضطهادي والدوافع التدميرية خبرات نفسية لاشعورية لايطالها وعي الراشد فما بالك بوعي الرضيع الذي لم يكتمل تشكله بعد !
إن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على أن الحاجات البيولوجية-الجسدية تتعرض منذ البداية للإستثمار من قبل بعض الدوافع والرغبات النفسية اللاواعية في الغالب ( أنظر نص “لاكان”: ” هل الرغبة ضد الإرادة؟”)
هناك طريقتان في الارضاع: الرضاعة المقننة التي تضبط زمن الارضاع وإيقاعه اليومي؛ وهناك الرضاعة العشوائية حيث يتم إرضاع الصغير كلما احتاج أو بكى وخلافا لما يعتقد، تذهب كلاين إلى أن الطريقة الاولى تساهم أكثر من الثانية في تكوين شخصية الفرد. في الحالة الثانية، لايوجد بين الرغبة وإشباعها مسافة زمنية كافية ليعبر الرضيع بواسطة البكاء عن (ويتخلص من) جزء من القلق والتوتر والمعاناة التي يسببها مشاعر القلق الاضطهادي والدوافع التدميرية فكيف ذلك؟

بيان ذلك في الخطاطة التالية

النشاط الابداعي إذن اشباع بديل عن إشباع أصلي، أولي تعرض للحرمان، بالتالي تمثل الرغبة المحبطة طاقة محركة للنشاط الابداعي وهي مايسميه فرويد “الطاقة الليبيدية” ذات الطبيعة الجنسية او العدوانية

مفاهيم النص
يحفل النص بمجموعة من المفاهيم المنتمية الى قاموس التحليل النفسي ويوجد بين التصور الوارد في النص وتصور فرويد اكثر من نقطة تقاطع وذلك من خلال حضور مفاهيم مثل: الانا، اللاشعور، الإعلاء… سنتوقف هنا بالخصوص عند ثلاثة مفاهيم بارزة
القلق الاضطهادي: يشير هذا المفهوم عند ميلاني كلاين إلى مجموع الخبرات النفسية الناجمة عن مشاعر الألم والاحباط والتضايق التي يستشعرها الرضيع كلما عجزت الأم عن إشباع حاجاته من الغذاء أو التواصل أو الشعور بالحنان؛ يستشعر الرضيع هذا الحرمان بوصفه خطرا واضطهادا مسلطا عليه
الدوافع التدميرية: بجانب غرائز الحياة، ينطوي الليبيدو – عند الطفل كما عند الراشد – على غرائز الموت والتدمير التي لا تتحه فقط ضد أشياء العالم الخارجي و بشكل خاص ضد ثدي الأم بالنسبة للرضيع، بل ضد جسمه بالذات أيضا.
العلاقة الشيئية: (بصفة عامة) هي العلاقة التي يتحول فيها الطرف الثاني، ماليس في الأصل شيئا، إلى شيء مع مايعنيه ذلك من حيازة وتملك وتبعية لإرادة الذات ورغبتها وأهوائها؛
(في سياق النص) لأن الرضيع يحصل على ثدي أمه عند أول صرخة بكاء، يتحول الثدي، بسبب ذلك إلى مايشبه الشيء: رهن الإشارة، مستسلم، دائم الحضور، مثله مثل باقي الأشياء المؤثثة لعالم الرضيع!

الأساليب الحجاجية
الأساليب الحجاجية التي اعتمدتها “كلاين” لإثبات أطروحتها
لإثبات دعواه، توسل النص بمجموعة من الأساليب الحجاجية الاستدلالية منها والبلاغية. نذكر منهما إثنتين لعلاقتهما بالمنهج العلمي:
الملاحظة:
وردت الملاحظة في قولها: ” ولنلاحظ بهذا الصدد ونحن نتناول الطرق الجديدة في إرضاع الطفل، كيف أن بعض هذه الطرق…”
والملاحظة هي معاينة الوقائع والظواهر بالحواس الخمس او بعضها، وقد يراد بالملاحظة لا المعاينة نفسها بل الاستنتاج المستمد منها، تتجلى الملاحظة في النص عند حديث كلاين عن علاقة الرضيع بثدي أمه وكذلك طرق الارضاع.
تتميز ملاحظة الفيلسوف عن ملاحظة الحس المشترك بكونها تتخد الظواهر المعتادة المألوفة موضوعا لها، وتتجاوز مستوى تسجيل الظاهر من الوقائع بحثا عن جوهر الاشياء وعلل الاحداث.
وتكمن الوظيفة الحجاجية للملاحظة في كونها تمنح الوقائع المعروضة الصفة الواقعية ، وتبعد عنها شبهة الاختلاق أو الخيال، فترفع درجات التصديق بها من طرف القارئ أو السامع،
وتزداد قوتها الحجاجية كلما اقترنت بمرجعية أو سلطة معرفية ، كما في قولنا:”” لاحظ العلماء وجود علاقة وثيقة بين الإصابة بالسرطان والتدخين…””
ومن الجدير بالذكر، أن كلاين قد استخدمت صيغة الأمر أو الحث بقولها : ” ولنلاحظ”، بما يوحي ان الملاحظة ليست أحادية، بل مشتركة بين كلاين وقارئها !، وكأن هذا الأخير يساهم بدوره في إنتاج الملاحظة والحجة la production de la preuve””
الاستماع: ملاحظة عير مباشرة يتوسط فيها صاحب الشهادة بين الذات الدرسة وموضوع الدراسة، والاستماع واحد من اهم الاساليب العلاجية في التحليل النفسي، وهو مايعرف بتقنية الأريكة Le divan . وقد ورد الاستماع في النص عند الحديث عن شهادات الراشدين وذكرياتهم عن طريقة الارضاع التي
خلاصة: من الواضح ان علاقة الرضيع بثدي أمه تتجاوز مجرد الحاجة البيولوجية إلى الطعام لملء معدته والتخلص من ألم الجوع، إن الثدي يلخص بالنسبة للرضيع الموضوع الأول لرغباته، بل إن الطفل يعتبر ثدي أمه ومن خلاله جسدها امتدادا لجسده الخاص، وستنطبع شخصية الراشد وحرصه على امتلاك أشياءه وما يخصه بهذه العلاقة/الرغبة الأولية بثدي الأم. تاريخ الشخصية هو تاريخ “أزمات” وعقد وصراعات، بيد انها تتخد بالنسبة لــ “ميلاني كلاين” طابعا إيجابيا لأن كل صراع يتضمن بالضرورة تصور حل لهذا الصراع مثلما أوضحنا في الخطاطة.

2-الرغبة والسعادة

استشكلات أولية:
يتولد عن تحقيق الرغبة شعور بالاشباع والارتياح واللذة و…السعادة. والسعادة أحيانا هي ما نتصوره غاية لنا قبل الحصول على موضوع الرغبة؛ اما عدم اشباع الرغبة فينتج عنه شعور بالحرمان والاحباط والشقاء.
هل يمكن أن يسعد بشيء من لم يرغب فيه قبلا؟
هل يمكن للرغبة للسعادة ان تنفصل عن الرغبة ام ان السعادة ليست سوى اشباع لرغبة أي شعور بالامتلاء والاكتفاء عقب الخصاص؟

إذا كنا لانسعد إلا بعد أن نرغب، لأن السعادة والبهجة تتعاظمان كلما كانت الرغبة المتقدمة عليهما أعظم بدورها. وحيث أن الرغبة خصاص ونقص، فهل يعني ذالك ان علينا ان نشقى قبل ان نسعد ؟!!
إذا كان عدم تحقق الرغبة يورث مشاعر الحرمان والاحباط والاحساس بالشقاء الذي هو نقيض السعادة، فهل لنا أن نختار حياة بدون رغبات، حياة لايعكر صفوها إلحاح الرغبات، او على الأقل حياة ونمط عيش بالحد الأدنى من الرغبات كما تقترح علينا الفلسفة الأبيقورية؟

تحليل نص: الرغبة والابتهاج
حول النص:
يندرج هذا النص ضمن المناح الفكري السائد في القرن السابع عشر والذي تميز بالسعي لتفسير “حركات” النفس أي انفعالاتها تفسيرا طبيعيا ميكانيكيا
اشكالية النص
كيف تتولد الرغبات في النفس؟ وكيف تتولد تلك الرغبة الخاصة التي ندعوها بالهوى او الحب الشديد؟
أطروحة النص: تتولد مختلف الرغبات إما من انفعال البهجة أو النفور، وأقوى ما بتولد عن انفعال البهجة من الرغبات والميول هو الحب.

بنية النص او مراحل تشكل الاطروحة داخل النص :
أ التمييز بين انواع الرغبات تبعا للموضوعات التي تنصب عليها
ب- اختزال الرغبات المتنوعة الى رغبتين رئيسيتين: الحب والابتهاج من جهة ثم الكراهية والنفور من جهة ثانية؛
ح- جينيالوجية الرغبات: تتولد الرغبة الشديدة في الشيء بفعل تخيل وتصور مقدار اللذة والبهجة التي سنحصل عليها بحصولنا على موضوع الرغبة —< تفسير عقلاني للرغبة يرجع منشاها إلى عملية فكرية تصورية
د – تراتبية الرغبات: أقوى انواع البهجة هو الابتهاج الذي يتأتي من الكمالات التي نتصورها في شخص المحبوب بوصفه ذاتنا الأخرى.
هـ- هذه القدرة على الميل تنصب وتتوزع في العادة بين موضوعات أو مرغوبات متعددة، وفي حالات خاصة تتجه كل قدرات الميل، التي منحتنا إياها الطبيعة، نحو موضوع أو شخص واحد اعتقاد منا انه يحققق لنا منتهى الكمال الذي يمكن تصوره. في هذه الحالة تأخد الرغبة إسم “الحب”

يفسر ديكارت الحب على انه ميل شديد نحو شخص نعتقد انه ذاتنا الأخرى. وهو تصور للحب شبيه للتصور الأفلاطوني الذي يقول إن كل نفس قد انشطرت نصفين فغدا كل نصف متشوقا محبا لنصفه أو لمن يعتقد انه نصفه الثاني!

ملاحظة: أليس الإسم الملائم لهذا الميل هو ” الهوى” أو الشغف passion ؟

البنية الحجاجية في نص ديكارت
اعتمد ديكارت على عدة اساليب حجاجية لإثبات اطروحته و دعواه، نذكر منها:
تقنية القسمة: ومن أشهر أنواعها: القسمة العقلية، كقول علماء الكلام المسلمين: لايخلو الشيء الفلاني أن يكون إما كذا أو كذا
في النص : تقسيم الرغبات تبعا للموضوعات التي تنصب عليها
رد المتعدد إلى الواحد: وتصنيف الرغبات واختزال كثرتها بردها إلى أصناف قليلة العدد..
في النص : الرغبات على اختلافها ليست سوى أجناس لنوعين رئيسين الحب والكراهية أو البهجة والنفور: يكفي أن علم أن هناك أنواعا من الرغبات بقدر ماهناك من أنواع الحب والكراهية…”
تقنية السؤال الخطابي وهو السؤال الذي يعقبه مباشرة جوابه ويدخل هذا النوع من السؤال ضمن تقنيات العرض والحجاج ومن أهدافه: توجيه انتباه القارئ وإعداده لتلقي الجواب، حثه على متابعة القراءة، خلق دينامية داخلية وفضاء حواري وبوليفونية (تعدد الأصوات) عوض رتابة الصوت الواحد في العرض التقليدي. وأكثر من يستعمل هذا النوع من السؤال الخطباء والمدرسون.
في النص : فما الرغبة التي تولدها البهجة؟
ا لامثلة استعملت الامثلة لتوضيح الافكار المجردة. تكمن الاهمية الحجاجية للمثال في كونه يخاطب المخيلة ويسهل عملية حصول التصور المجرد في الذهن من ثم التصديق، لأن العلم تصور أولا ثم تصديق.
في النص : ومثال ذلك ان جمال الأزهار يحظنا على…
لو أخدنا مثلا الفضول وحب الاستطلاع…. –
أساليب بلاغية: تقدم القضايا بصيغة الاقتراح والحث دون إلزام:
في النص: لكن يكفي ان نعلم بان…
إنه من الأصوب ان نميز بين….
على عكس صيغ في نصوص أخرى ذات طابع إلزامي، مثل: من الواجب/علينا ان …/ لامناص من… /إذا كان.. يترتب عليه أن…/ إعلم أن…

السعادة واقتصاد الرغبة

تحليل النص: اللذة مبدأ الحياة السعيدة،

اشكالية النص:
..ما العلاقة بين اللذة والسعادة ؟وماهو شكل الاشباع المفضي الى حالة السعادة؟
أ طروحة النص: يقدم النص ما يمكن اعتباره ” اقتصاد اللذة” أو “اقتصاد الرغبة” يبدأ بتحليل دقيق لماهية الرغبات وحقيقتها وأصنافها ليفضي في النهاية إلى سعادة الكفاف أو لذة الحد الأدنى. وبعبارة أخرى، فاللذة تحصل أيضا عند عدم الشعور بالحاجة إلى اللذة! وذلك عند استبعاد مثيرات الألم والخصاص.
تحليل الأطروحة:
يسلك النص في سبيل لإثبات أطروحته منهج ” القسمة” ( التي رأيناها في نص ديكارت) يقسم الرغبات ومن ثم اللذات إلى:
لذات ورغبات طبيعة
رغبات ولذات عبثية، غير طبيعية: : الشهرة، التأنق في اللباس…
والطبيعية تنقسم بدورها إلى:
ضرورية؛
وغير ضرورية: كالجنس، واكل اللحوم…
والضرورية بدورها تنقسم إلى ما هو:
ضروري للسعادة؛
ضروري لتجنب آلام الجسم؛
ضروري للحياة.
وفي كل قسمة يستبعد أبيقور شقها الثاني، وصولا إلى القسمة الأخيرة: فالضروري للحياة هو مابدونه يهلك الإنسان كالأكل والشرب، و “الضروري للسعادة” يختزل – في نهاية المطاف وبعد التحليل – إلى ما يجنبنا الآلام والاضطرابات. في هذه الحالة تسكن النفس، فلا تعود تبحث عن شيء آخر للحصول على خير أكمل.
فتكمن السعادة في اشباع الحاجات الطبيعة الضرورية دفعا الالم ووصولا الى حالة السكينة او السلام الدخلي Ataraxie وهي غياب اضطربات النفس وسلامة البدن
انفتاحات ممكنة:
يقول فخر الدين الرازي: ليست اللذات الحسية في الحقيقة سوى دفع الالم، وبالفعل فالسعادة الأبيقورية ليست سعادة إشباع بل سعادة دفع للألم ومسبباته وفي مقدماتها الرغبات غير الطبيعية أو غير الضرورية

نص مكمل:
نص ” هل تكمن السعادة في قهر اللذة؟”

اطروحة النص
يمكن أن نلاحظ في النص آثارا للموقف الأفلاطوني من الرغبة والشهوة ( الذي سبقت دراسته) مضافا إليه تأثير النظام القيمي-الأخلاقي الإسلامي يميز ابن مسكويه بين اللذات الحسية الحيوانية و اللذات العقلية الشريفة الاولى تتعلق بالجسم بينما تتعلق الثانية بالنفس ومن جعل سعادته القصوى في تحصيل اللذات الحسية فقد رضى بأخس العبودية لأخس الموالي!

3- الرغبة، الوعي، الارادة والحرية

استشكالات أولية:
ما العلاقة بين الحدود المكونة للعنوان؟ بالعودة إلى مسافرنا “الغريق”، يمكن للفيلسوف أن يتساءل: هل كان مسافرنا يريد فعلا ما قام به (الحرية)؟ أم أنه كان مدفوعا بما يتجاوز إرادته (غياب الحرية)؟ ولكن السؤال عن الحرية يشترط سؤالا مسبقا عن الوعي: هل كان مسافرنا على وعي وبصيرة تامتين بطبيعة رغبته الجامحة في النجاة بصحبة الذهب؟ هل كان بمقدوره آنئد أن يجعل رغبته موضوع تأمل؟ أم ان الرغبة استبدت به فألغت كل تفكير وتدبر؟
طرح الإشكال:
هل يمكن ان نتحكم في رغباتنا؟ هل تقع الرغبة داخل مجال الارادة والوعي او خارجهما ؟

أ- الإنسان كائن راغب:

تحليل نص: الرغبة ماهية الإنسان
إضاءة: الرغية بين ديكارت واسبينوزا: الحوار بين النصين سبق أن رأينا في نص ديكارت، أن هذا الأخير يذهب الى ان التصور يخلق الرغبة اي ان تصور السعادة والبهجة والخير المتوقع من الموضوع يخلق فينا الرغبة فيه. ولكن مالذي يبعث ويحرك هذا التصور أصلا في الذهن؟
إشكال النص: هل الرغبة تابعة للتصور وصادرة عن الوعي والإرادة أم العكس؟ هل نرغب في الشيء ونشتهيه لكوننا نعتقده شيئا طيبا أم نعتبره شيئا طيبا لكوننا نرغب فيه ونشتهيه؟
أطروحة النص:
ينظر اسبينوزا الى العلاقة بين التصور والرغبة نظرة مخالفة للتصور الديكارتي: إن الرغبة هي التي تخلق التصور. لا العكس.
يقول سبنوزا: لانرغب في الشيء ونشتهيه لكوننا نعتقده شيئا طيبا بل نعتبره شيئا طيبا لكوننا نرغب فيه ونشتهيه
— إن الاعتقاد (التصور) تابع للرغبة لا العكس، بل يذهب اسبينوزا إلى حد القول بأن “الشهوة والرغبة ماهية او جوهر النفس” بمعنى ان الإنسان – جوهريا – كائن راغب
مفاهيم النص:

يكاد اسبينوزا ينفرد بأسلوب خاص في التفلسف. يتميز هذا الأسلوب بالوقوف المتكرر عند دلالة المفاهيم تعريفا وتحديدا وتمييزا. ولذلك سببان:
أ- طلب الوضوح، وهو مطلب فلسفي بامتياز: إذ لايمكن للتفكير الفلسفي أن يمضي قدما في البحث مستعملا ألفاظا وحدودا غامضة المعنى، لم تتحدد دلالتها بدقة؛ وتلك كانت عادة سقراط في جل حواراته حيث يستفهم المحاور عن دلالة المفهوم المعبر عن موضوع الحوار كالشجاعة والجمال والتقوى…
ب-التأثر بالمنهج الرياضي الهندسي، الذي يقتضي تعريف الأشكال والمتغيرات والحدود المستعملة قبل الشروع في البرهنة. ونصنا مقتبس من كتاب “الأخلاق” حيث طبق هذا المنهج لى امتداد الكتاب.
نظرا لحرص اسبينوزا نفسه على تعريف مفاهيمه، فقد تضمن النص تعاريف للمفاهيم التالية، (وسيأتي الحديث عنها في البنية المنطقية للنص)
الرغبة:
الشهوة
الإرادة
البنية المنطقية للنص:
لم تخرج البنية المنطقية عن شكل الاستدلال الرياضي-الهندسي:

الأفعال المنطقية صيغتها في النص دلالتها
تعريف تتألف ماهية النفس من أفكار تامة وغير تامة ملاحظة: تعريف وضعه اسبينوزا وضعا. بمعنى أنه لم يقم عليه دليلا، وإنما جعله مقدمة للتدليل على ما سيأتي
استنتاج أول ومن ثم فهي تبذل جهدا من أجل الاستمرار في وجودها “الوجود” هو في الحقيقة “جهد للإستمرار في الوجود”. وذلك قانون طبيعي يسري على جميع الموجودات : كل يحاول البقاء على وضعه. والنفس البشرية بدورها تبذل جهدا لحفظ الوجود أي للإستمرار في الوجود، طبيعة هذا الجهد وغايته تمليه طبيعة الأفكار التي في النفس
تذكير ولما كانت…
استنتاج ثان فهي إذن… مثلما تعي النفس أفكارها كذلك تعي جهدها
تعريف إذا تعلق الجهد ب…. سمي… إذا توقف الجهد على قدرة النفس وحدها، دون الجسم، أي أن الجهد المبذول لاتقف من ورائه مطالب الجسد، فهو إرادةا
تعريف ثان إذا تعلق الجهد ب…. سمي… إذا استهدف الجهد تسكين النفس والجسد، فهو شهوة
كل ما تتعلق به الشهوة (الدوافع البيولوجية من اكل وشرب وجنس) ضروري لحفظ وجود الإنسان وبقائه.
تعريف ثالث تتعلق الرغبة عموما بأفراد الإنسان من حيث أنهم يعون رغباتهم – تعريف: الرغبة هي الشهوة المصحوبة بوعي ذاتها.
ب-الرغبة والحرية :

عودة للشق الثاني من الإشكال: هل تقع الرغبة داخل مجال الارادة والوعي او خارجهما ؟

حسب اسبينوزا فإننا نعي رغباتنا ( الرغبة هي شهوة تعي ذاتها-أنظر تعريفه السابق) لكننا لا نعي عللها الحقيقية التي تحتجب غالبا خلف علل تبريرية تمويهية
يقول اسبينوزا: “إن الناس يعون حقا أفعالهم ورغباتهم، إلا أنهم يجهلون العلل التي تجعلهم يرغبون في شيء من الأشياء”
لإثبات ذلك عمد اسبينوزا إلى مايلي:
-اولا: استدعاء مفهوم العلة الغائية، مستعينا بمثال: إن تصور مزايا الحياة المنزلية كان دافعا وغاية يرتجيها مشيد المنزل
-ثانيا: تصحيح المفهوم الشائع: إن العلة الغائية السابق ذكرها هي في الواقع علة فاعلة، وبما أن تعريف العلة الفاعلة هو مامنه يصدر الفعل، فقد جعل اسبينوزا من الرغبة – لا من صاحبها- مصدر الفعل
-ثالثا: التمييز بين العلة الأولى والعلة الجزئية :هذه الرغبة-العلة ليست علة أولى، بل مجرد علة جزئية، بمعنى أنها مسبوقة بعلل أخرى حتمت وجودها، لإذ يمكننا في هذه الحالة ان نسأل ولماذا يرغب في مزايا الحياة المنزلية؟ وهل كل من رغب في هذه المزايا شيد منزلا؟ ولماذا الآن وليس قبل أو بعد..إلخ
-رابعا: الاستنتاج بأن البشر أبعد مايكون عن إدراك العلل الحقيقية لرغباتهم، وكل مايقع عليهم نظرهم هو العلة المباشرة الجزئية، لأن كل علة معلولة لأخرى وهكذا إلى ما لانهاية، وذلك ضمن شبكة شاملة من العلل على المستوى الكوني

اانتبهملاحظة: لابد من الإشارة إلى التصور الحتمي عند اسبينوزا: كل مايقع في الكون من أحداث وكل مايعتمل في النفس من انفعالات ومايتمثله العقل من أفكار، كل ذلك إنما يحدث حدوثا خاضعا للحتمية والضرورة الكونية التي تمليها سلسلة لامتناهية من العلل، تفرضها طبيعة كل موجود
في رسالة إلى صديقه shuller يضرب اسبينوزا المثال التالي: إذا تلقى حجر دفعة من جسم آخر، فسيتحرك ويستمر في الحركة لمدة معينة بعد انتهاء تماس الجسمين، ومن المحتمل أثناء ذلك أن يتخيل الحجر – وهو منطلق الآن لوحده – وكأنه هو نفسه علة حركته! وما ذلك إلا بجهله بالعلة الحقيقية لحركته، والحقيقة عكس ذلك

بهذا تكون حدوس اسبينوزا قد سبقت كشوفات التحليل النفسي مع فرويد: وإذا كان احتجاب العلل الحقيقية عن الإدراك يرجع عند اسبينوزا إلى الجهل، فإنه عند فرويد يرجع إلى ميكانيزمات دفاعية لاشعورية: إن علل الرغبات ودوافعها تنتمي إلى سجل اللاشعور، وتحت ضغط الأنا الأعلى يصوغ الأنا مبررات تعويضية بديلة
يقول “لاكان”: حيثما توجد الرغبة يوجد اللاشعور(…) إن اللاشعور لغة توجد وراء الشعور، وهنا بالضبط تتموضع وظيفة الرغبة” نص ص 33 من الكتاب المدرسي-الشعبة الأدبية)
وما العلاج النفسي سوى مساعدة المريض على تعرية هذه الطبقات المتراكمة من التبريرات المضللة التي تحتجب خلفها الرغبات.

مثال: فالمراهق الذي يرغي في اقتناء دراجة نارية فخمة، هل يعرف بالضبط لماذا يريد تلك الدراجة؟ هل ما يرغب فيه فعلا هو الدراجة؟ أم نيل شيء من الزهو والثقة أمام أقرانه، وشيء من الإجاب من زميلاته، والشعور بالقوة بل وبالرجولة؟!
والفتاة التي عقد قرانها وفي الأيام التي تسبق ليلة الزفاف، تصلب بنوبات من الفوبيا والهيستيريا وترى في منامها بشكل متكرر القطط السوداء والعناكب… هل يتعلق الأمر بقطط وعناكب أم بمخاوف مقنعة من المجهول المرتبط في ذهنها بتلك الليلة التي تنسج حولها الثقافة الكثير من الأساطير والقليل من الحقائق؟؟!!
خلاصة: يتوهم الناس أنفسهم أحرارا في اختيار ماتقع عليه رغباتهم، وما ذلك إلا بجهلهم بالعلل الخفية لرغباتهم.
إن الرغبات مشروطة على نحو حتمي بعلل لامتناهية لايستطيع وعي الفرد الإحاطة بها مجتمعة.

نص محاور:
نص أفلاطون: ” هل يمكن إخضاع الرغبة للعقل؟
يعرض هذا النص لتصور ولتحليل يمجد العقل مانحا إياه الأولوية في مقابل الرغبة، على خلفية استبعاد تام لمفهوم اللاوعي، إنطلاقا من الثنائية التالية:
قوة عاقلة وهي مبدأ التفكير، والتفكير يمنحها امتياز الأمر والنهي ورعاية النفس بأسرها؛
قوة شهوانية لاعاقلة هي مبدأ الإنفعالات من حب وخوف وغضب وجوع وعطش
ملاحظة: في الواقع، يميز أفلاطون بين ثلاث قوى في النفس الإنسانية: عاقلة، شهوانية (الحاجات البيولوجية) وغضبية(انفعالات النفس)
تعليق: هل الإنسان كائن عاقل فحسب؟ أليس كائنا راغبا، حيث يسوس العقل الهوى لا العكس؟

نص إضافي: نص هيغل كيف يحقق سلب موضوع الرغبة وعي الذات بنفسها؟
أطروحة النص: يقدم النص تصورا جدليا (دياليكتيكيا) للرغبة، باعتبارها لحظة السلب الضروررية التي يمر منها الوعي في حركته من أجل وعي ذاته.
تحليل أطروحة النص:
يمكن صياغة مضمون النص وفق لحظات المنهج الجدلي الثلاث

الرغبة هي رغبة الذات— الأطروحة
ولكن الرغبة أيضا وأساسا رغبة “فيما سوى الذات”، في شيء آخر غير الذات: إنها خروج الذات من تطابقها مع ذاتها، اعتراف بوجود الموضوع خارج الذات وبعيدا عن متناولها—– نقيض الأطروحة
ولكن إشباع الرغبة يقتضي حتما تدمير الموضوع المرغوب فيه أي إلغاء وجوده المستقل عن الذات— التركيب

أمثلة: حصولي على الطعام الذي كنت أرغب فيه يعني أكله وإلغاءه وتمثله من طرف جسمي؛ حصولي على القميص الذي كنت أتأمله قبل قليل في واجهة متجر الألبسة، يعني انه أصبح “لي”، كان قبل قليل “ذلك القميص” والآن أصبح “قميصي”! وإلحاق “ياء” النسبة به يعني إلحاقه بي وتأكيد كينونتي وإلغاء وجوده المستقل

Facebooktwitterredditmailby feather

كتاب عوالم الفلسفة لأقسام الجذع المشترك

صدر أواخر شهر ابريل 2012 عن دار الثقافة للنشر والتوزيع، كتاب عوالم الفلسفة، متضمنا دروس الجذع المشترك في حلة جديدة تجدونه في الأكشاك والمكتبات
يمكن طلبه مباشرة من دار الثافة للنشر والتوزيع

يمكن الاطلاع على معلومات الطبعة الثانية من هنا:

https://falsafa.info/courtc2.php

هاتف (522302375 212)- 522307644 (212)
شارع فيكتور هيكو
ص.ب: 4038 الدار البيضاء ـ المغرب

أو من المكتبات التالية
=الرباط:
– . . .المكتبة الشعبية، شارع محمد الخامس
– . . . مكتبة كليلة ودمنة
– . . . مكتبة السلام، العكاري
– . . . مكتبة الأطلس، زنقة سيدي أحمد
= مكتبة الشمال بتطوان
= مكتبة المعرض، مكناس
= مكتبة شاطر، مراكش
= مكتبة المناهل الجامعية، القنيطرة
= مكتبة المعارف ،الطالعة الصغيرة
مكتبة المناهل الجامعية، شارع مولاي إدريس، فاس
= مكتبة الأمة، فاس

غلاف الكتاب المدرسي للجذع المشترك

فهرس المحتويات

كيف أصبح فيلسوفـ(ة)ـا؟ شروطٌ ستة. 5
كيف استعمل هذا الكتاب؟ 7
قواعد المنهج لحسن استثمار هذا الكتاب (للسادة الأساتذة) 9
1. جبابرة وبرق وعربة تطير يجرها تيْسان.. في البدء كانت الأسطورة 10
2. لو استطاعت الثيران والخيول الكلام..! شيء من العقل في مقابل الخيال.. 16
3. ولكن ما أصل هذا الكون؟ ماء؟ هواء؟ ذرات أم.. بداية المغامرة الكبرى للعقل.. 19
-الماء أصل الكون 19
-الهواء أصل الكون 21
– اللامتناهي أصل الكون 21
4. السلحفاة تسبق اسرع العدائين..! الفلسفة والنسقية والتقابلات المذهبية 25
التغير المستمر، (هيراقليط) 25
كل شيء ثابت (بارمنيدس) 28
5. من السماء إلى الأرض..سقراط !(دراسة مؤلَف فلسفي) 33
◌محاورة أوطيفرون: الجزء الأول◌ 33
◌محاورة أوطيفرون: الجزء الثاني ◌ 37
◌ محاورة أوطيفرون: الجزء الثالث ◌ 41
◌ محاورة أوطيفرون: الجزء الرابع ◌ 44
6. فلسفة، فيلوصوفيا..! أصل الكلمة 51
7. الفلسفة في مواجهة التحريم..! الفلسفة في بلاد الإسلام 53
8. الفلسفة في معرض الدفاع: إشكالية المثاقفة 57
الكندي 57
ابن رشد 59
9. هل بعد جميع الاتجاهات توجد اتجاهات أخرى..!؟ مقدمة في علم المنطق 63
القضايا 63
الإستدلال 65
العكس المستوي 66
القياس 67
الاستقراء 68
10. هل تساعد الفلسفة على علاج نزلة برد..!؟ الفلسفة الحديثة والعلم الظافر 70
النهضة العلمية في العصر الحديث: معالم تاريخية 70
المنهج وسر نجاح العلم 73
آمال العلم ووعوده 74
11. لماذا تخلف العرب وتقدم غيرهم!؟ انشغالات الفلسفة المعاصرة 78
12. بحثا عن كاسبر وبقية الأشباح… رفقة الفيلسوف في مغامرة الشك 82
الشك في شيء من الأشياء 82
الشك في كل الأشياء والمعارف 86
الشك في وجودي 88
13. أيتها الدابة! لِمَ لا تحدثيني عن سعادتك؟التفلسف والدهشة 90
لنجرب الدهشة، لنندهش أولا 90
لنكتشف سر هذه الدهشة 92
لنميز الدهشة عن أشباهها 93
14. لقد قلت لك: ناولني كرسيا.. الفلسفة، اللغة والمفاهيم 95
المعنى العام أو الحد الكلي 96
النوع، الجنس، الفصل والخاصة. 97
شروط التعريف 99
صحبة الفيلسوف وهو يعرّف المفاهيم 99
15. هل المصارعة غير عادلة بالنسبة للثيران؟المعضلة، المفارقة والأشكلة 103
مفارقات العدالة 103
مصدر المفارقات 105
16. العقل يحررنا من الأهواء، لكن هل..؟ الجواب الذي يتحول إلى سؤال 107
17. إحراق الضالين أحياءا.. التسامح ومشكلة الاختلاف والتعددية 112
اختلافنا عن بعضنا 112
كيف نتعامل مع هذا الاختلاف؟ 113
18. هل الإنسان مُخيّر أم مُسيّر؟ الفلسفة والحِجاج 117
19. استعباد النساء التمثلات المشتركة والأحكام المسبقة 121
اﻷحكام المسبقة 121
شرنقة اليومي 123
20. وجها جانوس.. أسباب الوضعية القلقة للفلسفة في بلاد الإسلام 125
الوجه الأول: اﻻحتفاء بالفلسفة 125
الوجه الثاني: التوجس من الفلسفة ورفضها 126
21. والآن، ماذا تعني الفلسفة؟ أخيرا! مشكلة تعريف الفلسفة 127
22. انكسمندريس، فيثاغورس..لِمَ هذه الأسماء الغريبة!؟ اليونان أو الإغريق 132
أين تقع هذه اليونان!؟ 132
والآن لماذا اليونان؟ 133
هل هي معجزة؟ 134
23. كيف أقرأ نصا فلسفيا؟ خطوات القراءة الفلسفية المنهجية 136
فهرس الأعلام والنصوص والكفايات 138
تفصيل قواعد المنهج لحسن استعمال الكتاب..(خاص بالسادة الأساتذة) 140
مقتطفات من المنهاج: التوجيهات التربوية لمادة الفلسفة الخاصة بالجذوع المشتركة 143

غلاف الكتاب المدرسي للجذع المشترك

Facebooktwitterredditmailby feather

الحرية – مجزوءة الأخلاق

لا تجد كالحرية كلمة دلت على معان مختلفة كما يقول مونتيكسيو، ويتجسد ذلك في الأبعاد الكثيرة للحرية
سنتناول الحرية في هذا الملخص من زاويتين أو بعدين فقط:
– البعد الميتافيزيقي للحرية؛
– البعد السياسي الملموس للحرية.
أما عن البعد الأخلاقي للحرية، فلتراجع درسالواجب وخصوصا المحور الأول (الواجب والإكراه)
أما عن البعد أو التناول العلمي للحرية، فأنظر المحور الثالث من درس الشخص ( الحتميات النفسية والاجتماعية الشارطة للشخص التي كشفت عنها العلوم الإنسانية)
– أما عن البعد التاريخي للحرية، فيرجى الرجوع إلى درس التاريخ وخصوصا المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ

المحور الأول: الحرية بين الإرادة والحتمية أو البعد الميتافيزيقي للحرية.

ملحوظة:يسمى هذا البعد ميتافيزيقيا لأنه يتناول الحرية بشكل مجرد من حيث المبدأ العام لا في وضعية محددة ومخصوصة، أي حرية ذات من حيث أنها تتمتع بالإرادة.

مفاهيم لابد من استيعاب دلالتها قبل المضي قدما:
الحتمية:
وجود علاقات ضرورية ثابتة في الطبيعة توجب ان تكون كل ظاهرة من ظواهرها مشروطة بما يتفدمها او يصحبها من الظواهر الأخرى، وأن كل حادث يسبقه سبب يحتم وجوده على نحو دون آخر؛ والحتمية بالمعنى الفلسفي مذهب يرى ان جميع حوادث العالم وبخاصة أفعال الإنسان، مرتبطة ببعضها ارتباطا محكما
الإرادة و حرية الاختيار:
حرية الاختيار :libre arbitre القدرة على الاختيار بين أحد المقدورين أو اتصاف الإرادة بالقدرة على الفعل دون التقيد بأسباب خارجية. وهذا يدل على وجود تلازم بين معاني الحرية واللاتعين واللاحتمية، وإذا سلمنا بحرية الاختيار، وجعلناها مقصورة على الأحوال التي تتساوى فيها الأسباب المتعارضة، حصلنا على معنى آخر للحرية وهو حرية اللامبالاة وقد عرفوها بقولهم: هي القدرة على الاختيار من غير مرجح

طرح الإشكال:

الحرية خاصية موجود خالص من القيود، عامل بإرادته أو طبيعته، وتقابلها مفاهيم القيد والحتمية والضرورة والخضوع والعبودية. والإنسان يستشعر في نفسه أحيانا القدرة على الاختيار والترجيح أو فعل الشيء أو الامتناع عنه بإرادته، لكنه يعلم من جهة أخرى أن لحوادث العالم الطبيعي نظاما عِليّا حتميا لا مكان فيه للصدفة أو العبث، أفلا تخضع حرية اختياره لعلل وأسباب تشرطها بدورها؟ هل الحرية هي الاستقلال عن المحددات والحتميات أم مجرد وعي بها؟ كيف يستقيم القول بحرية الإرادة مع القول بحتمية الحوادث؟

معالجة الإشكال:

1- الإرادة بوصفها علة أولى وابتداءا مطلقا

الحرية أولا هي حرية الإرادة بوصفها مصدر الفعل الحر. والإرادة أن يشعر الفاعل بالغرض الذي يريد بلوغه، وأن يتوقف عن النزوع إليه توقفا مؤقتا، وأن يتصور الأسباب الداعية إليه، و الأسباب الصادة عنه وأن يدرك قيمة هذه الأسباب، ويعتمد عليها في عزمه، وأن ينفذ الفعل في النهاية أو يكف عنه. وقدرته على الاختيار بين التنفيذ والكف هي جوهر الإرادة، أو ما يسمى بــ “حرية الاختيار” وهي القول أن فعل الإنسان متولد من إرادته. قال بوسييه Bossuet: “كلما بحثت في أعماق نفسي عن السبب الذي يدفعني إلى الفعل لم أجد فيها غير إرادتي”، بمعنى أن اختبار حرية الإرادة يتم في الغالب عن طريق استبطان داخلي للنفس اعتمد عليه ديكارت بدوره ليعلن أنه يجد في نفسه حرية الاختيار أو إرادة لا يماثلها شيء في لا محدوديتها بل هي الدليل على أن الإنسان على صورة الله ومثاله؛ ويعرف ديكارت الإرادة بأنها القدرة على فعل الشيء او الامتناع عنه، إثبات أو نفي ما يعرض للذهن من أفكار أو تصورات بمحض الاختيار دون الإحساس بضغط من الخارج يملي هذه أو تلك. وقد اختبر ديكارت لا محدودية حرية الإرادة في فعل الشك الذي أقدم عليه! ذلك أنه وجد في نفسه القدرة على رفض كل الحقائق والشك في كل المعارف التي تشبثت بنفسه منذ الطفولة… بل إن الخطأ أوضح صور حرية الإرادة: فنحن لا نخطئ إلا لكوننا أحرارا لأن الخطأ ناجم عما تتمتع به الإرادة من قدرة على الحكم بشيء لا تتوفر بصدده على الدلائل الكافية من العقل.

2- حرية الإرادة وهم ناتج عن جهل بسلسلة الحتميات
يقوم التصور الديكارتي على فرضية مفادها أن الإنسان مملكة داخل مملكة الطبيعة، مستقل عن سلطانها. وهو ما ترفضه كل فلسفات الحتمية التي تنطلق من وجود علاقة سببية ضرورية بين حوادث العالم بما في ذلك الحوادث النفسية (الرغبات، الأفكار، الاختيارات…) التي هي بدورها معلولات لأسباب خارجية، فحوادث العالم الخارجي عند ابن رشد مثلا تجري على نظام محدود ترتيب منضود لا تخرج عنه، والإرادة والأفعال لا تتم إلا بموافقة الأسباب الخارجية، لأن أفعالنا ناتجة عن تلك الأسباب الخارجية، وكل معلول إنما يكون عن أسباب محدودة ومقدرة، يكون بالضرورة محدودا ومقدرا بدوره. ومثال ذلك أن أنه إذا ورد علينا أمر مشتهى من خارج اشتهيناه بالضرورة من غير اختيار، مثلما أنه إن ورد أمر مكروه من خارج كرهناه وهربنا منه بالضرورة
ولكن من أين ينبع هذا الإحساس الداخلي القوي بالحرية رغم ذلك !؟
ينطلق اسبينوزا في جوابه على هذا السؤال من نفس ما انطلق منه ابن رشد، وهو أن كل شيء كيفما كان محدد بعلة خارجية تتحكم في وجوده وفعله باستثناء الجوهر أو الله الذي هو علة وجوده، فلا يتصرف إلا وفق الضرورة التي تمليها طبيعته، أما بقية الموجودات وخصوصا البشر، فإن الحرية التي يتفاخرون بامتلاكها لا تعدو أن تكون وهما ناتجا عن الجهل: أي عن وعيهم برغباتهم وجهلهم بالعلل التي تجعلهم يرغبون في شيء من الأشياء.
لا وجود إذن لفعل حر بمعنى فعل لاعلة له تحدده، والحرية الوحيدة الممكنة هي وعي هذه الضرورة، والتصرف وفق الطبيعة الجوهرية للإنسان أي الطبيعة العاقلة، لذلك قيل إن الحرية هي الحد الأقصى لاستقلال الإرادة العالمة بذاتها المدركة لغاياتها. وقيل أيضا إن الحرية هي علية النفس العاقلة. ومعنى ذلك أن الفاعل الحر هو الذي يقيد نفسه بعقله وإرادته، ويعرف كيف يستعمل ما لديه من طاقة وكيف يتنبأ بالنتائج وكيف يقرنها ببعضها البعض وكيف يحكم عليها ، فحريته ليست مجردة من كل قيد ولا هي غير متناهية، بل هي تابعة لشروط متغيرة توجب تحديدها وتخصيصها

فقرة انتقالية من المحور الأول إلى المحور الثاني:

لقد أخطأ الثراث الفلسفي عند مقاربته لإشكالية الحرية من خلال مفاهيم الإرادة والاختيار والحتمية حسب حنا آرندت : فبدل توضيح هذه الإشكالية، عمل على نقلها من حقلها الأصلي أي مجال التجربة الإنسانية و مجال السياسة إلى مجال داخلي يتمثل في الإرادة، وبذلك أذيبت الحرية ضمن بقية القضايا الميتافيزيقية كالزمان والعدم والنفس… والحال أنه من غير الممكن أن نختبر الحرية ونقيضها أثناء الاستبطان أي ذلك الحوار الذي يجري بيني وبين ذاتي والذي تتولد من خلاله القضايا الفلسفية والميتافيزيقية الكبرى

المحور الثاني: الحرية والقانون أو البعد السياسي للحرية

طرح الإشكال:
رأينا مع حنا آرندت في معرض نقدها للتناول الميتافيزيقي للحرية: إننا لا نعي الحرية في إطار علاقتنا بذواتنا، بل في خضم تفاعلنا مع الغير. إذا صح ذلك، ألن يكون وجود هذا الغير في حد ذاته حدا من حريتي بفعل القانون الذي ينظم علاقتي به؟ إذا كانت الحرية نقيضا للقيود والموانع، فكيف لها أن تتعايش مع القانون الذي هو مرادف لفكرة القيود؟

معالجة الإشكال:

1-القانون كشرط لوجود الحرية ( ما ينبغي أن يكون)

قد يحلم الواحد منا بحرية مطلقة دون حدود، يفعل بواسطتها ما يشاء دون قيد من مجتمع أو قانون، بيد أننا ننسى بأن وجودنا الطبيعي نفسه يقتضي الخضوع لقوانين ! مثل قوانين الفيزياء كالجاذبية وقوانين البيولوجيا كاندثار الخلايا؛ ثم إن هذا الحلم يتضمن تناقضا غالبا ما لا يعييه صاحبه: صحيح أن كل فرد يتمتع خارج القانون أو المجتمع المدني بحرية كاملة – كما يقول توماس هوبز – لكنها حرية غير مجدية، لأنها في الوقت الذي تمنحنا امتياز فعل كل ما نهواه، تمنح الآخرين بدورهم قوة إيذائنا كما يريدون.
إذن فلا وجود قطعا لحرية بدون قوانين. بل إن وجود قوانين يخضع لها الجميع هو الذي يضمن الحرية للفرد والشعب معا. سيكون للشعب الحر رؤساء، لا مفر من ذلك فهذا مما تقتضيه ضرورات التنظيم والعيش الجماعي المشترك ولكن لن يكون له أسياد، كما قال روسو، إنه يخضع للقوانين، وللقوانين وحدها، وبفضل قوة القانون لا يخضع للبشر. وحيث أن القانون تعبير عن الإرادة العامة، فإنني عندما أخضع للجميع، فأنا في الواقع لا أخضع لأي أحد، وإنما أخضع لكيان معنوي أنا نفسي جزء منه. وإذا كان الخضوع للقانون يحد من سلطاننا وقدراتنا، فقد كشف مونتيكسيو عن النزوع الدفين الذي يسكن كل ذي سلطة أو قدرة ألا وهو الميل إلى الشطط في استعمال قدرته وسلطته، وسيسترسل في ذلك إلى أن يلاقي حدودا. لابد إذن للحرية من حدود. والحرية كما قال مونتيكسيو هي حق فعل كل ما تبيحه القوانين، ولا يمكن للحرية أن تقوم في الدولة على غير القدرة على فعل ما يجب أن نريده وعلى عدم الإكراه على فعل ما لا يجب أن نريده.

2- القانون والدولة كإلغاء للحرية: نموذج الأنظمة الكليانية ( ما هو كائن)

لا وجود قطعا لحرية بدون قوانين. هذا المبدأ هو خلاصة المواقف السابقة التي التي اتخدت من الديمقراطية وحقوق الإنسان رهانا لها. ومن المفارقات أن الاستبداد والطغيان يستعمل بدوره مبدأ ضرورة القانون لوجود الحرية من أجل إلغاء هذه الأخيرة بحجة أن السلم أثمن من الحرية، وأن الغاية القصوى لوجود القانون نفسه هو حماية السلم من الحرية التي تهدده بفوضاها. وقد رد روسو ساخرا ذات مرة على من يدعي أن تقليص الحرية يهدف إلى الحفاظ على السلم والأمن: نعم، سنحصل على السلم والهدوء ولكنه هدوء المقابر !
يكمن سر هذه المفارقة في أن علاقة القانون بالحرية تقوم على نوع من المقايضة عبر عنها بنيامين كونسطان بقوله: “يقبل كل فرد التضحية بجزء من ثروته على شكل ضرائب لسد النفقات العمومية والتي يكون هدفها ضمان تمتعه بما تبقى من ثروته بسلام، و بنفس الشكل يقبل المرء التضحية بجزء من حريته لضمان ما تبقى منها، ولكن إن اكتسحت الدولة كل مجال لحريته فلتن يعود للتضحية معنى، كأنها تطالبه بدفع كل ثروته ! إن المذهب القائل بالامتثال اللامحدود للقانون في عهد الاستبداد والانقلابات الثورية قد أضر بالناس أكثر مما أضرت بهم الأخطاء والضلالات الأخرى”
و هذا المذهب الذي حذر منه كونسطان في بدايات القرن 19 تجسد في القرن العشرين في ظاهرة الأنظمة الشمولية الكليانية التي تصفها حنا آرندت بالظاهرة الفريدة غير المسبوقة في كتابها ” أصول الكليانية”: تعمد هذه الأنظمة الاستبدادية إلى اعتقال رعاياها وحبسهم داخل بيوتهم الضيقة، مانعة بذلك ميلاد حياة عمومية، لا يمكن للحرية أن تتجلى بدونها، مستعملة من أجل ذلك الدعاية والأيديولوجيا والتأطير المذهبي لتحول المواطن إلى مجرد رقم نكرة، إلى فرد داخل الجمع homme de masse

قد يقال أن الحرية تظل مع ذلك رغبة أو إرادة أو طموحا يسكن أفئدة الناس، بيد أن الحرية و قبل أن تكون صفة للفكر أو سمة من سمات الإرادة، فإنها أولا وقبل كل شيء وضع للإنسان الحر. لا يوجد في نظر آرندت سوى شكل وحيد للحرية وهي الحرية الملموسة في العالم: حرية التنقل و الخروج من المنزل والالتقاء بالغير

Facebooktwitterredditmailby feather

الواجب – مجزوءة الأخلاق

 

ملاحظة تقنية (موجهة -ربما- لزملائي المدرسين) : تم الاعتماد في الدرس ومن ثم في هذا الملخص على نصوص فلسفية من الكتب المدرسية الثلاث ومن مصادر أخرى إضافية
وقد حاولت قدر الإمكان أن أعكس في هذا الملخص سيرورة الدرس المنجز في القسم،
نتوقف في البداية عند تعريف الواجب، ليس لأن تعريف الواجب مدخل إلى الدرس، فالدرس بأكمله بمثابة تعريف للواجب في تعالقه مع مفاهيم أخرى، ولكن لأن من مقتضيات دراسة قضية ما امتلاك تصور أولي حول دلالة المفردة المعبرة عن القضية…
يعرفه جميل صليبا في معجمه الفلسفي (ج2 ص 541-542)كالتالي: ” الواجب ما تقتضي ذاته وجوده اقتضاءا تاما” بيد أن هذا تعريف عام يشمل المنطق والأنطلوجيا معا، أما التعريف الخاص الأقرب إلى مجزوءة الأخلاق فهو: ” الواجب بوجه عام هو الإلزام الأخلاقي الذي يؤدي تركه إلى مفسدة… والواجب بوجه خاص قاعدة عملية معينة، أو إلزام محدد يتعلق بموقف إنساني معين كواجب الموظف في أداء عمله”
ونضيف مع إيريك فايل بأن الواجب يشكل المقولة الأساسية والوحيدة للأخلاق

المحور الأول: الواجب والإكراه

طرح الإشكال:

الواجبات كثيرة: أسرية، دينية، عرفية، وطنية، مهنية… وما إن يذكر الواجب، أو يتم تذكيرنا به وهذا هو الغالب، حتى يتبادر إلى ذهننا الإلزام والإكراه. وفي اللغة: وجب الشيء إذا ثبت ولزم؛ والواجب هو ما يقابل الجائز والممكن. وحيث أن الذات خاضعة لدوافع شتى، فإن ضرورة الواجب تنقلب إكراها وينقلب تصورها إلى أمر نسميه بالأمر الأخلاقي. بيد أن الواجب، من جهة أخرى، لا يُتصور دون حرية: فحرية الفاعل الأخلاقي هي التي نرتب عليها واجباتها، ولامعنى للواجب بالنسبة لحجر ساقط خاضع لقوانين حتمية و حيوان أعجم تقوده الغريزة!!
الإكراه إذن خاصية محايثة للواجب والحرية شرطه! فكيف نجمع بينهما؟ وإذا كان الواجب إكراها، والواجبات كثيرة، ألن يجعل ذلك من حياتنا جحيما لا يطاق ومعاناة للإكراه المستمر؟ وحيث أن الواجب يشكل المقولة الأساسية والوحيدة للأخلاق، فأي قيمة لهذه الأخلاقية التي ترزح تحت الإكراه وتتعارض مع أخص خصائص الإنسان أي الحرية؟ وبعبارة أخرى: هل المصالحة بين الواجب والحرية ممكنة؟

معالجة الإشكال:
ملاحظة: يتفق أغلب الفلاسفة على أن الواجب (الأخلاقي) لا يخلو من إكراه، فهو ليس فعلا تلقائيا عفويا، ليس غريزة أو رد فعل! وتنحصر المشكلة عندها في إعادة التوفيق بين الواجب والحرية

1-الحل الكانطي: الواجب إكراه يحقق استقلالية الإرادة

يقر كانط بأن “الضرورة الأخلاقية هي إكراه أي إلزام وكل فعل مؤسس عليها، يجب أن نتمثله بوصفه واجبا، وليس مجرد طريقة للفعل نرغب فيها الآن أو قد نرغب فيها مستقبلا”
فالواجب إذن إكراه بل قهر يمارسه العقل العملي على الميولات، لكنه إكراه حر لأنه يخلص الإرادة من ضغط وإلحاح هذه الميول ،فلا تخضع إلا لنفسها أو للواجب من حيث هو واجب. فتغدو بذلك إرادة طيبة حقا.
يرى كانط أن الإنسان حينما يخضع للقوانين التي يمليها الواجب الصادر عن العقل، فإنه حر مادام لا يخضع سوى لتشريعه الخاص، فهو يمنح نفسه قانونها في حين تتلقى الموجودات المادية قانونها من خارج على شكل حتمية طبيعية. لذلك تنص إحدى الأوامر المطلقة الكانطية على وجوب التصرف كما لو كنت مشرع القانون؛ ولما كان هذا الأمر كونيا، فإن الفرد يشارك بذلك في مملكة الإرادة بوصفها مملكة للحرية. هذه الإرادة التي تتميز بالاستقلال الذاتي، لأنها تشرع لنفسها في استقلال عن أية شروط أو غايات خارجية،
ولفهم الشرط الأخير لابد أن نميز – مع كانط – بين نوعين من الأوامر الأخلاقية؛ أوامر أخلاقية شرطية يتوقف أداؤها على النتائج التي المتوقعة منها كاللذة أو السعادة أو تقدير الآخرين.. أو أية منفعة أخرى، فتكون الواجبات في هذه الحالة مجرد وسائل لتحقيق غايات معينة؛ كأن نقول الصدق من أجل أن نكسب ثقة الناس؛ والنوع الثاني هو الأوامر الأخلاقية القطعية أو المطلقة، وهي تلك التي تنظر إلى الأفعال في ذاتها لا من حيث النتائج المترتبة عنها: كأن نقول الصدق دائما احتراما للواجب نفسه.
إذن فالقيام بالواجب من حيث هو واجب هو عين الحرية لأنه يخلص الإرادة من ضغط الميولات الحسية ولا يرهن غاياتها ودوافعها بالنتائج المترتبة عن الفعل الأخلاقي. ولكن هل تتوجه الأخلاق والواجبات الكانطية إلى الإنسان الواقعي، أم إلى صورة مجردة ومثالية للإنسان !؟

2- دوركايم: الواجب اكراه خارجي لكنه يتحول إلى موضوع رغبة
يتفق دوركايم مع كانط بأن الواجب يحمل قدرا من الإلزام والإكراه، لكنه لا يقتنع بالحل الكانطي لمشكلة الإكراه والمتمثل في تحويل الواجب إلى أمر مطلق وغير مشروط، بحيث نقوم بالواجب امتثالا للواجب، ذلك أنه من المستحيل حسب دوركايم السعي نحو هدف نكون فاترين تجاهه ولا يحرك حساسيتنا، وهكذا يجب أن نقبل بقسط من أخلاق اللذة لنفسر كيف أننا نشعر بنوع من الرضي والإغراء أثناء قيامنا بواجبات تحددت خارجنا وقبلنا.
وبعبارة أخرى، ففي الوقت الذي يعترف فيه دوركايم أن الوقائع الاجتماعية ومن أهمها الواجبات تتميز بالخارجية والقسر، لا يفوته أن يلاحظ أن الفاعل الاجتماعي لا يعي هذا الإكراه أو القسر المسلط عليها لأن الواجبات تحولت إلى موضوع رغبة، وعلى سبيل المثال، فالمقبل على الزواج مطالب بتنظيم طقوس الزواج والزفاف بطريقة معينة مفروضة ، ولكن الفاعل يتماهى مع الدور بحيث يصبح في امتثاله شيء من الرضي و اللذة والمتعة ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن انتعال الحذاء الذي كان بالنسبة للطفل الصغير واجبا ثقيلا، فتحول لاحقا إلى موضوع رغبة واستمتاع، بل انضافت إلى قيمته الاستعمالية قيمة جمالية! أو ذاك الذي يهب في زمن الحرب بكل حمية وحماس للتطوع في الجيش امتثالا لواجب الوطنية… وغيرها من الأمثلة التي تظهر امتزاج الواجب بالرغبة وتطابقه أحيانا مع العواطف الشخصية، ولذلك يقول دوركايم في كتابه قواعد المنهج السوسيولوجي: “إنني حين أؤدي واجب كأخ أو زوج او مواطن … أقوم بأداء واجبات خارجية حددها العرف والقانون وعلى الرغم من أن هذه الواجبات لا تتعارض مع عواطفي الشخصية (…) إن هذه الضروب من السلوك والتفكير لا توجد خارج شعور الفرد بل تمتاز أيضا بقوة آمرة قاهرة هي السبب في أنها تفرض نفسها على الفرد شاء أم أبى. حقا إني لا أشعر بهذا القهر حين أستسلم له بمحض إرادتي”
ينتج عن ذلك صفتان للواجب الأخلاقي: الصفة الأولى هي الإلزام لكن الصفة الثانية الملازمة له هي كونه موضع رغبة

خلاصة:

: إن الواجب الناتج عن الأمر الأخلاقي الكانطي المطلق ليس إذن إلا مظهرا مجردا من مظاهر الواقع الأخلاقي يغفل المظهر الملموس لهذا الواقع الذي ينكشف بالتحليل السوسيولوجي، لا مجرد التأمل العقلي. وبذلك فموقف دوركايم يختلف عن موقف كانط اختلاف المقاربة السوسيولوجية المنصتة إلى دروس الوقائع عن المقاربة الفلسفية المتسمة غالبا بنظرة تجريدية تقتضيها شمولية المنظور الفلسفي

المحور الثاني: الوعي أو الحس الأخلاقي

طرح الإشكال:
يمكن للأخلاق أن “تتموضع” في الخارج، فتكون موضع خطب ووعظ، كما يمكن تدوينها بالحبر على الأوراق أو بالنقش على الحجر، لكنها توجد قبل هذا وذاك على شكل وعي تمتلكه الذات به تميز بين الخير والشر وتضفي صبغة أخلاقية على أفعالها أو أفعال غيرها. ويبدو هذا الوعي الأخلاقي حسا داخليا عميقا على شكل ضمير أخلاقي أو صوت منطلق من أعماق النفس، يأمر وينهى، يؤنب و ويرضى.. هل يعني ذلك أن الحس الأخلاقي غريزة منقوشة في جبلة الإنسان ومن ثمة خالدة ولازمنية، ام أنه ظاهرة إنسانية كباقي الظواهر لها نشأة وتاريخ؟ وبعبارة مختصرة: ما مصدر الحس الأخلاقي؟

معالجة الإشكال:

1-الحس الأخلاقي فطري مطبوع في الجبلة-روسو

في إطار فلسفة الأنوار ونزعتها الإنسية الرامية إلى جعل الإنسان الفرد مرجعا لكل القيم بما فيها القيم الأخلاقية، يندرج التصور الروسوي الذي يرجع الحس الأخلاقي إلى مبادئ فطرية خالدة مطبوعة في الجبلة. وقد عبر كانط عن فطرية الوعي الأخلاقي في قولته الشهيرة التي استلهم فيها روسو: “شيئان يملآن القلب إعجابا متجددا متزايدا: السماء المرصعة بالنجوم فوقي والقانون الأخلاقي بداخلي”
يقول روسو إذن بوجود مبدأ فطري للعدالة والفضيلة في أعماق النفس البشرية، تقوم عليه رغم مبادئنا الشخصية أحكامنا التي نصدرها على أفعالنا وأفعال الغير فنصفها بالخيرة أو الشريرة.
لا ينكر روسو بأن الأحكام الأخلاقية مكتسبة وخارجية المصدر، لكن الإحساس الذي بموجبه نقدر ونقوم هذه الأفكار يظل فطريا، ثم إن هذا الوعي الأخلاقي أحاسيس وجدانية وليس أحكاما عقلية، إذ لو انتظرت الأخلاق نشوء التفكير العقلي لهلكت البشرية!! ويتصل هذا الإحساس بغريزتين أو عاطفتين أصيلتين هما حب الذات التي يحفظ الفرد بقاءه؛ ثم الشفقة التي تتجه إلى حفظ النوع إذ تمنع المرء من إلحاق الأذى بالغير مجانا أو رؤية الكائنات الحاسة تتألم. وقد ظلت هاتان الغريزتان مرشدتا الإنسان الوحيدتين طيلة حالة الطبيعة استغنى بهما عن القوانين و الأخلاق والفضيلة.
إن الوعي أو الحس الأخلاقي ليس فطريا فحسب، بل خالد وأزلي وصائب على الدوام، ولذلك يخاطبه روسو قائلا: ” أيها الوعي ! أنت أيتها الغريزة الإلهية الخالدة، والمرشدة المضمونة لإنسان جاهل ومحدود النظر، أيتها الغريزة المعصومة في تمييزها بين الخير والشر”
ومن المنطقي أن يخلص روسو إلى فطرية الضمير الأخلاقي مادام ينظر إلى الإنسان ككائن طيب بالطبيعة شرير بالاجتماع الذي أفقده براءته و طيبوبته الأصليتين. ولكن ألا يسقط هذا التصور في اللاتاريخية من خلال تجاهله لنسبية الوعي الأخلاقي وللظروف التاريخية والعوامل الاجتماعية التي تقف وراء نشأة هذا الوعي؟ وهي العوامل التي تشدد عليها كل من المقاربتين الفرويدية والماركسية للوعي الأخلاقي.

2- نشوء الحس الأخلاقي وتاريخيته:

من الصعب القبول بفطرية الضمير الأخلاقي انطلاقا من التحليل الفرويدي، لأن الفطري هو “الهو” الذي يمثل الشكل الأصلي للجهاز النفسي كما يظهر عند الميلاد، وهو المادة الأولية للتمييزات اللاحقة. وهذا الهو يخضع فقط لمبدأ اللذة ويجهل تماما مبدأ الواجب الذي هو عنوان الضمير الأخلاقي. لذلك لا يمكننا الحديث عن ضمير أخلاقي قبل ظهور الأنا الأعلى التي ينتج عن اصطدام الأنا بالقيم والضوابط الأخلاقية للمحيط الاجتماعي.
وبنمو الوعي الأخلاقي يظهر الإحساس بالذنب وأشكال التوتر والقلق الذي تتولد في النفس نتيجة التعارض القائم بين متطلبات الأنا الأعلى وميولات الأنا المدفوع بالهو. كما أن الأشكال المرضية الدالة على قسوة الأنا الأعلى وسلطته كالسوداء والمازوشية والوسواس… هي أيضا مؤشرات على ضمير أخلاقي لكنه ضمير متضخم.
إذا كان فرويد يقدم مقاربة لنشوء الضمير الأخلاقي الفردي كانعكاس للوعي الأخلاقي للمجتمع، فإن الماركسية تفسر كيف ينشأ هذا الوعي على مستوى المجتمع نفسه. وبما أنه جزء من البنية الفوقية، فإنه لن يكون غير انعكاس للبنية التحتية أي لمستوى معين من تطور قوى الإنتاج، لذلك تحمل الأنظمة الأخلاقية بدون شك مدلولا طبقيا فتصبح جزءا من الأيديلوجية وظيفتها تبرير الهيمنة وتزييف الوعي الاجتماعي.
لكل مرحلة من مراحل التطور الاقتصادي نظريات أخلاقية مطابقة لها. وعلى سبيل المثال، فانطلاقا من اللحظة التي تطورت فيها الملكية الفردية للأشياء المنقولة صار لزاما على المجتمعات أن تعرف الأمر الأخلاقي القائل: ” لا تسرق” ولكن لا معنى لهذا الأمر في مجتمع تغيب عنه الملكية الخاصة كما في المشاعية البدائية ! كما يقول انجلز؛ كما أن أمرا باحترام الملكية الفكرية للأعمال الفنية لا معنى له إلا عندما تتحول الأعمال الفنية إلى سلع خاضعة لقوانين الإنتاج والتسويق.
على هذا الأساس يرفض انجلز كل رأي مزعوم يحاول فرض نظام أخلاقي دوغمائي كيفما كان باعتباره قانونا خالدا ، ثابتا ونهائيا يعلو على التاريخ.

المحور الثالث: الواجب والمجتمع

طرح الإشكال:
مادام المجتمع هو منبع الواجبات ومصدر القوة التي تصاحبها، فهل ينتج عن ذلك أن واجباتنا مقتصرة على أبناء مجتمعنا أو جماعتنا التي لقنتنا لائحة واجباتنا، و أن الواجبات نسبية ومحلية، أم أن الواجبات كونية و أننا ملزمون بواجبات تجاه الإنسانية جمعاء الحاضرة والمقبلة أي تجاه الأجيال القادمة بدورها ؟ ألا تتعارض واجباتنا والتزاماتنا تجاه جماعتنا ومجتمعنا مع واجباتنا والتزاماتنا تجاه الإنسانية

معالجة الإشكال:

1- الواجب صوت المجتمع

إذا كان الإنسانية قد مالت إلى تفسير القوة الآمرة الرهيبة لصوت الواجب الذي يتردد مجلجلا بداخل الفرد تفسيرا أسطوريا يربطه بكائنات علوية، فإن صوت الواجب والضمير عند دوركايم ليس شيئا آخر غير صوت المجتمع الذي هو كائن معنوي يتجاوز الأفراد ويؤثر فيهم ويحيى داخل ذواتهم، ويمارس عليهم نوعا من القهر والإكراه الخفي. إن المجتمع بهذا المعنى ، هو جزء لا يتجزأ من الذوات الفردية التي لا تستطيع أبدا الانفصال عنه؛ فهو الذي بث فيها تلك المشاعر والمعايير التي تمنح بالضرورة لقواعد السلوك الفردي صفة الإكراه المميزة للإلزام الأخلاقي كما تحدد لها واجباتها الأخلاقية، أي ما ينبغي عليها فعله وما يجب تجنبه. لكن إذا كان الواجب يرتبط بالمجتمع و بإكراهاته، فإنه بذلك يسقط في الانغلاق والنسبية؛ مادام أن لكل مجتمع خصوصيته الثقافية والحضارية التي تميزه عن باقي المجتمعات. كما أن الواجب في هذه الحالة من شأنه أن يؤدي نوع من الصدام الحضاري، والصراع الفكري والأخلاقي بين الأمم والشعوب. وهذا صحيح إلى حد ما، فالأمر الأخلاقي “لا تقتل!” غالبا ما يفقد صلاحيته إذا تعلق الأمر بفرد من خارج الجماعة التي لقنت للفرد هذا الأمر. وهناك ثقافات تجيز صراحة لأفرادها قتل أو استعباد أو التنكيل بمن لا ينتمون إلى الجماعة! ولذلك يقول داروين: “تعد الأفعال لدى المتوحشين وربما كذلك لدى الإنسان البدائي خيرة أو شريرة فقط إذا كانت تؤثر بوضوح في حسن حال القبيلة -وليس النوع البشري أو العضو الفرد في القبيلة. تتفق هذه النتيجة مع اعتقاد فحواه أن الحس الخلقي في منبته مشتق من الغرائز الاجتماعية، لأن كليهما يرتبط أولا وحصريا بالمجتمع”. وبالمثل فإن شعور المرء بالشفقة وبوجوب الإحسان للفقير يختلف حسبما إذا كان هذا الأخير من ذوي القربى أو من نفس المجتمع أو فردا في مجتمع مخالف لي في الملة أو العرق او اللغة. ولكن، وفي ظل مناخ العولمة الاقتصادية والثقافية وتحول الكوكب إلى قرية صغيرة بفضل ثورة وسائل الاتصال، وتوحد مصائر البشرية والكوكب… ألم يعد ملحا التشديد على الطابع الكوني للواجبات الأخلاقية وإخراجها من انغلاقها لتنفتح على القيم والواجبات الإنسانية حفظا لمصالح البشرية؟

2- واجباتنا نحو الإنسانية والكوكب والأجيال القادم

كيف يمكن أن نرتقي بالأخلاق إلى مستوى الكونية ونخرجها من انغلاقها لتنفتح على القيم والواجبات الإنسانية؟ لا يكاد هذا السؤال يطرح بالنسبة لأخلاق على الطراز الكانطي، فالواجبات بالتعريف كونية تتخذ الإنسانية موضوعا لها في شخص كل فرد على حدة. ولكن المطلب الكانطي يشكل في الحقيقة تحديا كبيرا لمفهوم الواجب نفسه، فهذا الأخير يحمل آثار أصله – أي المجتمع – ويتقوقع بالضرورة داخل حدوده. وإذا كان المجتمع وبعد جهد جهيد قد استطاع أن ينتزع من الفرد سلوكا غيريا نحو أبناء الجماعة كما يقول فرويد، فكيف له أن يطمع في مطالبته بسلوك غيري يشمل الإنسانية جمعاء !؟
ومع ذلك، يبدو أن كونية الواجبات لم تعد مجرد مطلب نظري في الفلسفة الأخلاقية، بل غدت ضرورة حيوية ملحة تشغل غير الفلاسفة بدورهم: فالتهديدات البيئية والاجتماعية والسياسية أصبحت تتجاوز حدود دولة أو مجتمع أو جيل، مما دفع جون راولز مثلا إلى أن يفرد لواجباتنا تجاه الأجيال القادمة حيزا داخل نظريته حول العدالة. يقول راولز: ” من البديهي أنه إذا كان على الأجيال القادمة أن تستفيد، فإن على الشركاء أن يتفقوا على مبدأ توفير يضمن لكل جيل أن يتلقى ما يستحق من سابقيه، كما أن عليه أن يلبي بطريقة منصفة متطلبات لاحقيه. ومن أجل تحقيق توفير عادل، يتعين على الشركاء أن يتساءلوا عن الكمية التي يقبلون بتوفيرها في كل مرحلة من مراحل النمو [لمصلحة الأجيال القادمة]”
هناك إذن واجب على أفراد الجيل الحالي يقتضي التوفير أي عدم الإسراف و استنزاف كل الموارد المتاحة جريا وراء مستويات من الرفاهية لا تعرف الحدود لأن من شأن ذلك أن يغامر بمستقبل الأجيال القادمة.
ثم إن الواجبات تجاه الإنسانية لا تقتصر على المحافظة على البيئة الطبيعية الكوكب التي هي ملك مشترك لسكانه ولأجياله، بل المحافظة أيضا على تراثه، وهذا ما تجلى في تعيين مواقع أثرية أو طبيعية كتراث إنساني من طرف اليونسكو.

Facebooktwitterredditmailby feather

الحق والعدالة – مجزوءة السياسة

المحور الأول: الحق بين الطبيعي والثقافي

طرح الإشكال:

ما الذي يشرعن ويبرر إعلان الحرية أو المساواة أو غيرها حقا من حقوق الإنسان؟ أيرتبط ذلك بإرادة المشرعين والقوانين الوضعية أم لأنها حقوق محايثة للطبيعة الإنسانية؟ وبعبارة أخرى، يمكن تأسيس وتأصيل الحق خارج كل ثقافة وتشريع ومواضعة أم أن الحق يظل نسبيا بنسبية القوانين الوضعية التي تجسده على أرض الواقع؟

معالجة الإشكال:

1- بحثا عن مرجعية كونية مؤسسة للحق: فكرة الحق الطبيعي

أ- تمهيد: لماذا تأسيس الحق على ما هو طبيعي؟
لقد لوحظ على الدوام أن الحق المستمد مما هو ثقافي يسري عليه ما يسري على الثقافة من تنوع واختلاف باختلاف المجتمعات والحقب التاريخية، مما دفع باسكال أن يكتب ذات مرة ساخرا: “يا لبؤس العدالة التي يحدها نهر ! أفكار صائبة هنا، خاطئة وراء جبال البرانس” هنا بالضبط تكمن الأهمية النظرية لمقولة الحق الطبيعي التي تؤصل للحق في الطبيعة وفي الطبيعة الإنسانية خاصة، بشكل مستقل عن الثقافة وإرادة المشرعين، لأن الطبيعة مرجع كوني و سابق منطقيا وزمنيا على المجتمع والثقافة..

ب- معلومات إضافية: ثلاث نماذج لفلسفات الحق الطبيعي:
قدم هوبز واحدة من أهم صياغات نظرية الحق الطبيعي في كتابه التنين، حيث عرَّفه بأنه الحرية التي لكل إنسان في أن يتصرف كما يشاء في إمكاناته الخاصة للمحافظة على طبيعته وحياته الخاصة، وأن يفعل كل ما يرتئيه نظره وعقله ناجعا لذلك. وعليه فالحق الطبيعي أو حق الطبيعة هو الحق في الحياة والحق في المحافظة عليها والحرية المطلقة في حماية الوجود البيولوجي والدفاع عنه.
ونجد عند جون لوك التعبير الأكثر وضوحا عن الأساس المنهجي العام لنظريات الحق الطبيعي إذ يقول:” حالة الطبيعية هي حالة الحرية الكاملة للناس في تنظيم أفعالهم والتصرف بأشخاصهم وممتلكاتهم … وهي أيضا حالة المساواة (…) إذ ليس هناك حقيقة أكثر بداهة من أن المخلوقات المنتمية إلى النوع والرتبة نفسها المتمتعة كلها بالمنافع نفسها التي تمنحها الطبيعة وباستخدام الملكات نفسها، يجب أيضا أن يتساوى بعضهم مع بعض”
أما روسو فيقول في كتابه “أصل التفاوت بين الناس”: ” إن التنازل عن الحياة أو الحرية وأيا كان الثمن هو إهانة للطبيعة والعقل، ولكن على افتراض إمكان التصرف الإنسان في حريته كما يتصرف في ماله، فإن الفرق يظل بينا جدا … أن الحرية، إذ هي هبة من الطبيعة وقد وهبت لهم بصفة كونهم بشرا، … وهكذا فمادام إنشاء العبودية يقتضي إكراه الطبيعة بالشدة والعنف، فقد وجب أيضا أن تغير الطبيعة لتأييد هذا الحق: والفقهاء الذين قضوا بكل وقار بأن ولد العبد يولد عبدا، كان معنى قضائهم هذا أن الإنسان لا يولد إنسانا”

ج- حقوق الإنسان الطبيعية أساس حقوقه المدنية:
تؤكد نظريات الحق الطبيعي على وجود حقوق أساسية محايثة لطبيعة الإنسان مثل الحياة والحرية والمساواة، بوصفها حقوقا سابقة على كل اجتماع أو مواضعة نسبية مشروطة ثقافيا أو تاريخيا، و لا يمكن تصور الإنسان كإنسان بدونها. ورغم ما نلاحظه من إختلاف بين منظري الحق الطبيعي في فهم الطبيعة الإنسانية وكذا حالة الطبيعة، إلا أنهم يتبعون نفس الإجراء المنهجي المتمثل في تجريد الإنسان من كل المحددات الثقافية والتاريخية من أجل استنباط حقوق محايثة لطبيعته؛ ثم إن هذا الإختلاف يتلاشى، لأن نظريات الحق الطبيعي تتحول في النهاية إلى نظرية للعقد الإجتماعي ذلك أن تأسيس الحق على ما هو طبيعي، لا يعني استبعاد الثقافة والاجتماع والتعاقد، فإذا كانت الطبيعة تعطي للحق مصدره ومشروعيته، فإن التعاقد هو الذي يضمن استمراريته. وواضح أن الإحالة على “الطبيعة” هنا لايعني سوى تأسيس الحق على مرجعية سابقة على كل مرجعية تاريخية: فالطبيعة سابقة على كل ثقافة وحضارة، على كل مجتمع ودولة، وبالتالي ، فهي مرجعية كلية مطلقة، ومن ثَمّ فالحقوق التي تتأسس عليها هي حقوق كلية مطلقة كذلك

2- الحق الوضعي: حق نسبي بنسبية مبادئه

رغم القوة النظرية والجاذبية التي تتمتع بها نظرية الحق الطبيعي، إلا أن البعض لا يرى في مرجعية الطبيعة سوى مفهوم إفتراضي يفتقد إلى الإجماع حول مضمونه: إذ يبدو أن البشر عرفوا على الدوام أشكالا من التنظيم مَهْما كانت بدائية بسيطة، مما يشكك في حالة الطبيعة المستخدمة كفرضية للإستنباط الحقوق الطبيعية؛ إضافة إلى صعوبة تحديد محتوى الطبيعة الإنسانية الذي تعرض في القرن العشرين للمراجعة سواء من طرف العلوم الإنسانية أو الفلسفة الوجودية. مما يجعل الإجماع حول مبادئ عقلانية كونية أمرا مستبعدا، لأن هذه المبادئ نفسها تتجاهل المحددات الثقافية النسبية. ألا ينبغي بالأحرى الحديث عن الحق في بعده النسبي الثقافي؟
تأسيسا على هذه الملاحظات، لاترى الوضعية القانونية في أطروحة الحق الطبيعي سوى إنشاءات ميتافيزيقية لاتحقق شروط العلمية كما تفهمها الإبستملوجيا الوضعية الملتزمة بأحكام الواقع (ماهو كائن) لابأحكام القيمة (ماينبغي أن يكون). وهكذا فالحق عند هانز كيلسن مثلا لايستمد قوته ومصدره إلا من القوانين التي تبلوره وتحتم العمل به، لأن القانون يقول الحق تبعا للإختيارات والأولويات بما يعكس خصوصية المجتمع وتطوره التاريخي وبما يترجم موازين القوى داخل البنية الإجتماعية وهي موازين ديناميكية متغيرة بتغير التشكيلات الإجتماعية. ومن وجهة نظر فقه القانون والدراسة العلمية، فلا وجود لحق أو عدالة خارج القانون الوضعي الذي يوفر قوة الإلزام الضرورية لتحويل الحق إلى واقع معيش مستعينا بالمؤسسات التنفيذية والقضائية.

معلومات إضافية (ملخص نص هانز كيلسن من كتابه نظرية خالصة في الحق):
تترتب عن هذه المقاربة نتيجتان: الأولى هي إستبعاد كل حديث عن الحق في بعده الأخلاقي المثالي المُعوِّل على الإلتزام الذاتي للفرد، والحرص على ألا يدعي النص القانوني صفة الإطلاقية بإشهاره للصفة الأخلاقية. فالقانون والأخلاق دائرتان منفصلتان. لأن القانون نسق تراتبي من القواعد التي تستمد قيمتها من هذا النسق لا من مرجعية متعالية مفارقة؛ تترتب عن ذلك عضويا نتيجة ثانية، وهي استحالة المفاضلة بين الأنظمة القانونية، لعدم وجود معيار أسمى يسمح بالمفاضلة: فقد يعتبر أحدهم النظام الليبرالي عادلا والشيوعي ظالما إعتمادا على معيار الحرية الفردية، في حين يغدو النظام الليبيرالي ظالما والشيوعي عادلا من منظور الأمان الإجتماعي ! ولكن مالسبيل للمفاضلة بين الحرية والأمان الإجتماعي؟ لاسبيل للمفاضلة حسب كيلسن إلا اعتمادا على معايير سيكلوجية ذاتية لاتحظى بأي إجماع، إذ يصعب الإجماع على معايير بديهية للعدل والكرامة والحق.
المصدر: الكتاب المدرسي لمادة الفلسفة-الشعبة الأدبية-طبعة 1996 ص 192

3- خلاصة نقدية: إذا كانت العدالة هي المثل الأعلى للحق، فإنها لا تختزل إلى القوانين الوضعية

من منظور الوضعية القانونية، يصبح الحق وضعيا متجذرا في الثقافة بمحدداتها الإجتماعية والإقتصادية والتاريخية، غير مطلق بل نسبي بنسبية هذه المحددات. ولكن إلى أي حد يمكن المضي في المطابقة بين الحق والقانون الوضعي، أي بين المشروع والقانوني؟ يرى ليو ستراوس أن رفض فكرة الحق الطبيعي يعني أن كل حق فهو وضعي من صنع المشرعين ومحاكم مختلف البلدان، لكن وجود قوانين وقرارات جائرة كقوانين المستعمر والطغاة، يلزم عنه وجود معيار للعدل والظلم يستقل عن الحق الوضعي ويسمح بتقييمه. وقديما أعلن شيشرون أنه ما لم يقم الحق على الطبيعة فإن جميع الفضائل ستتلاشى، لأننا لانملك قاعدة غير الطبيعة لتمييز حَسَنِ القوانين عن قبيحها.
يتبين مما سبق أن الحق قيمة مركبة شأنها شأن باقي القيم الأساسية التي تحكم الفاعلية البشرية: فهو طبيعي وثقافي، كوني ونسبي في نفس الوقت. طبيعي كوني لأنه يمس الماهية الإنسانية، ويخاطب الإنسان بما هو إنسان؛ وثقافي نسبي لأن بتحوله من فكرة ومبدأ إلى واقع معيش يتجذر في القيم والمؤسسات والتاريخ الخاص بهذا المجتمع أو ذاك.

المحور الثاني: العدالة كأساس للحق

أنظر الفقرة السابقة وكذا المحور الموالي

المحور الثالث: العدالة بين المساواة والإنصاف

طرح الإشكال:

للعدالة عدة معان، يعرفها المعجم الفلسفي لجميل صليبا كالتالي:”المبدأ المثالي او الطبيعي او الوضعي الذي يحدد معنى الحق… وتنقسم إلى عدالة تبادلية قائمة على أساس المساواة؛ وعدالة توزيعية تتعلق بقسمة الأموال والكرامات بين الأفراد بحسب ما يستحقه كل واحد منهم” ونستخدمها هنا كمرادفة للحق، منظورا إليه من حيث تعلقه لا بالذات في فرديتها، بل في علاقتها بأقرانها داخل جماعة بشرية ما من حيث كونهم ذوات حقوقية متكافئة ومتماثلة. وبهذا المعنى ولذلك قيل بأن العدالة تهدف إلى خلق المساواة بين هذه الذوات، ولكن هل الجميع متساوون فعلا؟ إذا كانوا متساوين في الاعتبار القانوني فعل هم متساوون في المواهب والحهد المبذول؟ بعبارة أخرى هل يمكن للعدالة كمساواة أن تنصف جميع أفراده؟ وماذا نقصد بالإنصاف أولا؟

في الوقت الذي تهدف فيه المساواة إلى تحقيق التماثل والتكافؤ الرياضي بين الأفراد بغض النظر عن اختلافاتهم وتفاوتاتهم محاولة طمس هذه االتفاوتات أو تحييدها، فإن الإنصاف يهدف إلى إعطاء كل ذي حق حقه مراعيا بذلك مبدأ الاستحقاق، أي أنه يسعى إلى مكافأة التفاوتات من جهة ، أو الحد من الهوة التي قد تنتج عنها من جهة أخرى.

معالجة الإشكال:

1- العدالة كمساواة

إذا كانت أغلب الدساتير والإعلانات والنظم الأخلاقية المعاصرة تنص اليوم وبصراحة على المساواة الاعتبارية لجميع أفراد النوع الإنساني كحق طبيعي، فإن هذا الاعتراف الذي يبدو اليوم بديهيا، لم يكن كذلك في الماضي: إذ اعتبر المواطن أفضل من الأجنبي، والرجل أسمى من المرأة والأطفال، والسيد أرقى من العبد
ولذلك يقول الفيلسوف الفرنسي آلان Alain: “ما الحق؟ إنه المساواة (…) لقد ابتكر الحق ضد اللامساواة. والقوانين العادلة هي التي يكون الناس أمامها سواسية، نساءا كانوا أم رجالا أو أطفالا أو مرضى أو جهالا. أما أولئك الذين يقولون إن اللامساواة من طبيعة الأشياء، فهم يقولون قولا بئيسا”
وبعبارة أخرى، فجوهر العدالة يكمن في هذه الحالة في التماثل والمساواة بل في المساواة الرياضية A=B
ومن أمثلة ذلك: المساواة أمام القضاء، تكافؤ الحظوظ في نيل المناصب، الترشح والتصويت، المساواة بين الرجل والمرأة…
وليس من الغريب أن يستأثر مبدأ المساواة بجاذبية خاصة بحيث رفعته الكثير من الحركات النضالية كمطلب وأيديولوجيا تعبوية، ولكن المآل الفاشل لتجربة الأنظمة الاقتصادية الاشتراكية في إصرارها على تحقيق نوع من المساواة واللاطبقية، من خلال سياسة توحيد الأجور وتقزيم الملكية الخاصة لدرء الفورارق والتي أدت إلى إبطال حوافز الإنتاج والابتكار وإضعاف القدرة التنافسية… هذا الفشل يدعونا إلى التفكير مجددا في مدى ملاءمة المساواة كمثل أعلى للعدالة

2-العدالة كإنصاف

يتضح مما سبق أن فكرة المساواة تتضمن مبدءا عاما وبسيطا بساطة العلاقات الرياضية كما يرى إرنست بلوخ، ولكنها لا تنشغل بمدى قدرة الناس على الاستفادة الفعلية من مبدأ المساواة، وباحتمال أن ينتج عن تطبيق المساواة خلاف المقصود أي الظلم أو خراب النظام!

لذلك يرى جون راولز –بناءا على فرضية الوضعية الأصلية وحجاب الجهل – أن نظاما عادلا لابد يقوم على مبدأي المساواة واللامساواة معا: المساواة في الحقوق والواجبات الأساسية، واللامساوة الاجتماعية والاقتصادية، مثل اللامساواة في الثرورة والسلطة
بيد أن اللامساواة لا تكون عدلا وإنصافا إلا إذا استوفت شرطا وحققت غاية. فأما الشرط فهو استفادة الأقل حظا من ثمار هذه الثروة والسلطة، بواسطة مبدأ تكافؤ الفرص في لإمكانية جمع الثروة أو تبوأ المناصب كما يتجلى ذلك أيضا في دولة الرعاية من خلال تقديم خدمات ومساعدات اجتماعية للذين يعيشون الإقصاء على هامش نظام الرخاء لهذا السبب أو ذاك. وأما الغاية، فهي ضمان التعاون الإرادي والعمل المشترك من أجل الرخاء، ضمن ما يسميه راولز بالنظام المنصف للتعاون الاجتماعي.
نقول إذن أن الإنصاف – بخلاف المساواة- يهدف إلى مراعاة الفروق والتفاوتات وعدم طمسها أو تجاهلها إما بهدف مكافأة المجدين والمستحقين وتشجيع المنافسة، أو مساعدة الأقل حظا ونصيبا. وقد سبق لأرسطو في كتاب “الأخلاق إلى نيقوماخوس”، أن ذهب إلى “أن العدالة مساواة، ولكن فقط بين المتكافئين؛ واللامساواة عدالة ولكن بين غير المتكافئين”. ولكن ما مصدر عدم تكافئهما؟ أن الاستحقاق والتميز قد يدين بالفضل للانتماء الاجتماعي والرأسمال الرمزي أو المادي الذي يجد بعض المحظوظين أنفسهم مزودين به دون غيرهم وهم يخوضون غمار المنافسة مع الأنداد.
يختلف الإنصاف عن المساواة على مستوى آخر كما يختلف العام عن الخاص. يقول أرسطو: “تتجلى الطبيعة الخاصة للإنصاف في تصحيح القوانين كلما بدت هذه الأخيرة غير كافية بسبب عموميتها” ويدخل في هذا الإنصاف ما يسمى مثلا بــ “الاجتهاد القضائي” الذي يترك للقاضي في بعض الأحيان فرصة تكييف القوانين وفق ظروف النازلة ومستجدات العصر أو إعمال مبدأ الإنصاف عند سكوت النص القانوني؛ كما يدخل في باب الإنصاف أيضا “الميز الإيجابي” مثل تخصيص نسب مئوية من مقاعد المجالس النيابية للنساء، لأن تطبيق المساواة أظهر أن النساء ولأسباب سوسيوثقافية وتاريخية لا يستطعن أن يحرزن على أكثر من عشر المقاعد رغم أنهن يشكلن عدديا نصف المجتمع !
إذا كان الإنصاف فضيلة للمؤسسات لتجاوز عيوب المساواة، فإن الإحسان Charité هو تلك الفضيلة المطلوبة من الفرد عندما لاتفلح إجراءات المساواة والانصاف معا

Facebooktwitterredditmailby feather