تقديم
حول الرسائل وتوظيفها الديداكتيكي
من المفروض أن يكون درس الفلسفة - وهو أول درس مقرر للسنة الأولى بكالوريا (أنظر الكتاب المدرسي للسنة الأولى ،الطبعة الأولى 1995)
- فرصة يلتقي فيها التلميذ لأول مرة بهذه المادة الدراسية الجديدية التي
يملك عنها مسبقا عددا لابأس به من التصورات والتمثلات.
في ظل هذه الشروط يكون اللقاء الأول حاسما في رسم العلاقة المعرفية
والوجدانية التي ستربط المتعلم بهذه المادة الدراسية مستقبلا.
لكن الملاحظ أن هذا الدرس - وعوض ان يكون فرصة
لممارسة التفكير
الفلسفي والإستئناس به وإكتشاف خصائصه على نحو إستقرائي ينتقل من الخاص
والمحسوس إلى العام والمجرد، فإن المادة المعرفية وكذا النصوص التي يحفل
بها الكتابب المدرسي تراهن على إختيار ديداكتيكي مغاير: فعوض
الدخول
في الفلسفة حسب عبارة
هيدغر
يتم الإكتفاء بالوقوف على عتباته، وعوض التعرف على التفكير الفلسفي وهو
يشتغل En acte ، يتم الإكتفاء بخطاب
ميتافلسفي
لايفهمه الأستاذ إلا لأنه على إضطلاع على المتن الفلسفي الأول الذي تحاول
هذه النصوص وصفه و وإبراز آليات إشتغاله...
ومن الملاحظات الصفية ذات الدلالة أن بعض التلاميذ يستعلجون أحيانا نهاية
درس الفلسفة للشروع في درس الطبيعة حيث تتاح لهم للمرة الأولى ان يمارسوا
او يتابعوا الأستاذ وهو يحوض بهم مغامرة التفكير الفلسفي في موضوع محدد
وهو مفهوم الطبيعة عامة والطبيعة الإنسانية خاصة.
وبعبارة أخرى، هناك حضور قوي للمنهج الإستنباطي على حساب المنهج الاستقرائي: حيث نلقن التلميذ خصائص
ومميزات الخطاب الفلسفي، قبل أن يتعرف على هذا الخطاب ذاته، يقرأ الميتا-فلسفة قبل الفلسفة. كأننا نعلمه قواعد لغة ما قبل أن يسمع أية جملة في هذه اللغة!
، في حين أن نظريات "بناء المعرفة" تلح على
ضرورة مد المتعلم بالمعطيات والمواد و تكليفه بمهمة بنينة هذه المعطيات أو
بناء قواعد إشتغالها وانتظامها ..
تقدم لنا رسائل اسبينوزا حول الأشباح والأرواح متنا فلسفيا تعليميا فريدا من نوعه من حيث أنه يقدم للمتعلم مادة التفكير الفلسفي تاركا له مهمة استخراج "صورتها" أي آليات اشتغال هذا الخطاب
تبادل اسبينوزا هذه الرسائل مع صديقه "بوكسيل" الطالب في كلية الحقوق، وقد جاءت المبادرة من هذا الأخير عندما بعث لفيلسوف أمستردام رسالة قصيرة يستفسر أو "يستفتي" حول صحة وجود الأشباح والأرواح
فيم إذن تساعد رسائل إسبينوزا الفلسفية على تجاوز هذه المعضلة؟
يتميز هذا المتن الفلسفي الفريد بالخصائص التالية:
- -- الأهمية
الوجدانية للموضوع، فإذا كانت الفلسفة رغبة في المعرفة فإن هذا الموضوع
الغامض والغريب insolite يوفظ هذه الرغبة ويذكيها. مستدعيا من التلميذ
استثمارا وجدانيا يذكي الرغبة في التعلم.
- -- أن هذه
الرسائل وعلى خلاف النص - المجتزأ بالضرورة من سياقه وهو النص الأكبر أي
الكتاب - تقدم متنا مكتملا لانحتاج أبدا إلى معرفة مسبقة بسياقه.
- -- أن
اسبينوزا يقدم مثالا حيا للفكر الفلسفي وهو يشتغل بدءاً من تلقي القضية
مرورا بأشكلتها وصياغتها ضمن لغة ومفاهيم فلسفية، وانتهاءا بمعالجتها وفحص
مختلف جوانبها وأبعادها
- -- أن هذه
الرسائل تقدم بشكل ملموس مختلف حصائص التفكير الفلسفي: البناء المفاهيمي
والإشتغال على اللغة من أجل التحديد الدقيق لدلالات الألفاظ والحدود دفعا
لكل لبس، أشكلة القضية على نحو يقصي المعالجات السطحية المباشرة ويظهر عدم
كفايتها، توظيف مختلف أشكال المحاجة والجدل بما فيها : البرهان بالخلف،
الإستدلال بالمماثلة
، التهكم والسؤال الإحراجي، النقد سوا تعلق الأمر بنقد الحجاج بالسلطة أو
نقد المصادر والروايات التي يسوقها مخاوره لإثبات دعواه...