مفهوم “الحق”في درس الفلسفة-عشر سنوات من الالتباس3

مفهوم “الحق”في درس الفلسفة:عشر سنوات من الالتباس
الجزء الأول الجزء الثاني الجزء الثالث الجزء الرابع

الجزء الثالث: المعنى الغائب لمقولة ” الحق الطبيعي”

لابد من التنويه بداية بأن التصور الجديد لدرس الحق كما هو وارد في التوجيهات التربوية الجديدة الخصة بالسنة الثانية (نونبر2006) قد تدارك الأمر ورفع الالتباس جزئيا بأن جعل المحاور المقترحة كالتالي:
– الحق بين الطبيعي والوضعي
-العدالة كأساس للحق
– العدالة بين المساواة والانصاف
كما أن الإشكالية الأساسية أصبحت هي:
مشروعية قواعد الحق التي تنظم الحياة داخل مجتمع ما

لكننا الآن بصدد المقرر “القديم”…
قبل أن يفسح الكتاب المدرسي المجال للوضعية القانونية لتنتقد فكرة الحق الطبيعي، كانت هذه الأخيرة قد جردت فعليا من أية قيمة عند مقابلتها سابقا بمقولة “الحق الثقافي”!!ء
وهناك مفارقة صارخة. تتمثل في ان الكتاب المدرسي اورد بالفعل نصوصا تقدم تصورا واضحا لمقولة الحق الطبيعي ، ويتعلق الأمر تحديدا بنص لـــ شيشرون ص185 و آخر لــــ ستراوس ص193، ولكن العرض المؤطر للدرس تجاهل هذين النصين وأغرق مقولة الحق الطبيعي في جدال عقيم مصطنع مبني حول التعارض حق طبيعي/حق ثقافي. والأدهى من ذلك ان يتم توظيف النصين المذكورين بعد ذلك ضمن محور/إشكالية ” الحق بين الإلزام والالتزام”!!ء

يحدد الكتاب المدرسي الدلالة الأولى “للطبيعة” و ” الطبيعي” من حيث هي مكون لماهية الإنسان كعضوية يشترك فيها مع سائر الحيوانات، وتبعا لذلك كمجموعة من القوى العمياء: غرائز ونزوات..”ء
ومن المنطقي أن يخلص الكتاب المدرسي إنطلاقا من مثل هذا التعريف وبعد صفحتين من التحليل إلى حدود وتناقض فكرة الحق الطبيعي، وإلى إفلاس القول بــ “الحق الطبيعي” القائم على المقومات الجسدية للفرد
وأن الحديث عن الحق لايستقيم إلا انطلاقا من الميزة النوعية للإنسان والمتمثلة في كونه حيوانا عاقلا واجتماعيا.. وثقافيا
ليس هناك اعتراض على التعريف أو الفهم السابق للطبيعة، وصحيح أن الكتاب المدرسي يذكر مرتين أن في أساس كل حق مدني يوجد حق طبيعي محايث لذات الإنسان…، ولكن كيف تم التوصل إلى هذه الخلاصة انطلاقا من التحليل السابق الذي اختزل الطبيعي في البيولوجي؟ و هل يحتاج الأمر فعلا إلى ثلاث او أربع صفحات لإتثبات استحالة تأسيس الحق على الطبيعة بمعنى القوة والعنف والاندفاع؟ ألم نهمش الدلالة الأخرى، الدلالة الأهم لمفهوم “الطبيعي” في عبارة ” الحق الطبيعي” ألا وهي الطبيعي بمعنى المستقل والسابق على الثقافة والمواضعة، ماهو كوني، مايشتق من طبيعة الشيء، ما ينبغي أن يتمتع به الإنسان لمجرد كونه إنسانا بغض النظر عن ملابسات المواضعة الثقافية

ذلك هو المعنى الذي عبر عن منذ القديم شيشرون ، و الذي يمكن ان نقرأه واضحا في النص النص المذكور أعلاه. يقول شيشرون:

لايوجد عبث أكبر من الاعتقاد بأن كل ماهو منظم بواسطة المؤسسات أو قوانين الشعوب عادل (…)ولو كانت إرادة الشعوب ومراسيم الرؤساء وأحكام القضلاة تحدد الحق ، لكان كافيا التصويت على إعطاء المشروعية للزنا واللصوصية وتزوير الوصايا وقبولها من قبل الجمهور لتصبح حقا(…) فلكي نميز قانونا حسنا عن آخر قبيح، لانتوفر على قاعدة غير الطبيعة

ذلك أيضا هو المعنى الذي يشدد عليه – في الفلسفة المعاصرة – ليو ستراوس في كتابه “الحق الطبيعي والتاريخ”. يقول ستراوس في نصه المذكور أعلاه:

“إن رفض الحق الطبيعي يعني ان كل حق فهو وضعي، وبعبارة أخرى أن الحق من وضع المشرعين ومحاكم مختلف البلدان دون سواهم. ومن البدييهي ان يكون معقولا تماما وأحيانا من الضروري الحديث عن قوانين وقرارات جائرة, وإقرار مثل هذه الأحكام يلزمنا بإقرار وجود معيار لما هو عادل ولما هو ظالم يكون مستقلا عن الحق الوضعي ويسمو عليه: معيار يمكن بواسطته تقييم الحق الوضعي”

ومن المهازل التي ترسخت بالتقادم وانتشرت بسبب الكسل المعرفي، أن تصدر رغم هذا النص الصريح مجموعة من المؤلفات الموازية الموجهة للمتعلمين تنسب إلى ليو ستراوس رفضه لمقولة الحق الطبيعي!!!وربما صنف ضمن التيار الوضعي..

نقرأ في “Encyclopedia Britanica” مايقلي:

“يشير الحق الطبيعي في الفلسفة إلى الحق والعدالة التي لاتستثني أي فرد من النوع البشري والمشتقة من الطبيعة لا من قواعد المجتمع أو القانون الوضعي”

.
وتبدأ هذه الموسوعة البريطانية في عرضها لمقولة الحق الطبيعي بالفلسفة اليوناننية، مرورا بآباء الكنيسة وصولا إلى تعريف Grotius الأب الفعلي للنظرية في شكلها المعاصر والذي يؤكد على ” أن صلاحية الحق الطبيعي تظل قائمة، حتى لو افترضنا عدم وجود إلاه أو عدم مبالاته بشؤون البشر”
وتتابع الموسوعة قائلة:

” يقف هوبز وغروثيوس على رأس مايعرف بمدرسة الحق الطبيعي التي حاولت- في إطار المنحى العام لفلسفة الأنوار – أن تشيد نسقا حقوقيا كاملا مستنبطا عقليا من حالة طبيعة مفترضة أعقبها تعاقد اجتماعي”

ونقرأ أيضا في معجم لاروس للفلسفة ص:72 تحت مادة “حق” :

” يتقابل الحق مع الواقعي تقابل المشروع مع الأمر الواقع، ونميز بين الحق الطبيعي الذي تنتسب إليه كل النظريات التي تؤسس العلاقات الإنسانية على طبيعة الإنسان وميولاته وتطلعاته الوجدانية (روسو، فيخته) مع الحق الوضعي القائم على التقاليد والأعراف والقوانين المكتوبة”ء

بيد أن الكتاب المدرسي لايكتفي بتجاهل هذه الدلالات الأساسية لمقولة الحق الطبيعي، ولا يقف عند حد مقابلة ما يسميه “التصور الطبيعي” بــ “التصور الثقافي” على النحو الذي ذكرنا، بل يعمق الالتباس المفاهيمي فيضيف حدا ثالثا هو “التصور التعاقدي”، قبل أن يضع كل هؤلاء مقابل التصور الوضعي كما يمثله “كيلسن” والمدرسة الوضعية القانونية
لكننا بيننا سابقا بأن مايسمى “التصور الطبيعي” – وبالمعنى الذي قدم به للمتعلمين كحق القوة والغرائز العمياء -لايشير إلى موقف فلسفي أو حتى وجهة نظر داخل الفكر السياسي، فما من أحد تجرأ على الزعم بأن الحق يتأسس أو ينبغي أن يتأسس على القوة الصرفة العارية من كل تبرير ثقافي.
يبدو انه قد حدث في الكتاب المدرسي انزياح دلالي خفي من “حق القوة” إلى “الحق الطبيعي”. بالنسبة للحد الأول، فقد بين روسو جيدا ان فكرة “حق القوة” فكرة متناقضة على المستوى المنطقي و عارضة زائلة على المستوى الواقعي. ولكن روسو يستخدم مع ذلك كما سنرى لاحقا مقولة “الحقوق الطبيعية” ويستخدم نعت ” طبيعي” لوصف حقوق أساسية محايثة لماهية الإنسان لايتصور تجريده منها !!! فهل وقع روسو في التناقض؟؟!!

بعد هذا التوضيح لدلالة “الحق الطبيعي” التي تم تغييبها في درس الحق، لأسباب ايديولوجية ربما، سنحاول أن نفهم كيف نُسِب إلى كل من هوبز واسبينوزا تصور فلسفي يؤسس الحق على ماهو طبيعي بمعنى العنف والعدوان والقوة؟
الحقيقة أن ما كان عند هوبز واسبينوزا مجرد استنباط عقلي من حالة مفترضة، هي حالة الطبيعة، بما هي حالة زائلة ومدعوة إلى الزوال، وضرورة زوالها هي مقدمة منطقية للبرهنة على ضرورة التعاقد في المرحلة اللاحقة كمصدر وحيد لشرعية التنظيم الاجتماعي والسلطة السياسي، كل هذا تحول في الكتاب المدرسي إلى نظرية فلسفية قائمة توضع في مقابل نظريات أخرى. والحال كما نقرأ في
Encylopedia Universalis
تحت مادة ” حق طبيعي”، :

“تنحدر بالتدريج فعالية الحق الطبيعي، المحدد بقدرة ورغبة الفرد، إلى الدرجة الصفر بسبب حالة الصراع المعمم واللاستقرار والخوف التي ينشرها، وهنا يلتقي هوبز واسبينوزا: إذ لايمكن تصور الحق الطبيعي عندهما إلا داخل فضاء أسطوري، فضاء متخيل أكثر منه واقعي”

سنحاول، في الجزء التالي، أن نسلط بعض الضوء على الفلسفة السياسية لكل من هزبز واسبينوزا وروسو ومشكلة تصنيفها
يتبع…

facebooktwittergoogle_plusredditmailby feather

تعليقاتكم وتفاعلاتكم

تعليقات وملاحظات

أحدث التعليقات
  1. layal

    Thumbs upجزاكم الله خيراً دعواتكم لنا بالتوفيق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>