مفهوم “الحق”في درس الفلسفة-عشر سنوات من الالتباس4

مفهوم “الحق”في درس الفلسفة:عشر سنوات من الالتباس
الجزء الأول الجزء الثاني الجزء الثالث الجزء الرابع

الجزء الرابع: رغم الاختلاف في التفاصيل، فإن أغلب نظريات الحق الطبيعي تنتهي إلى النظرية التعاقدية

سعينا في الأجزاء الثلاثة السابقة من هذا الموضوع إلى كشف الإلتباسات التي شابت الطرح الإشكالي وكذا البناء الإشكالي لمفهوم الحق في الكتاب المدرسي المقرر، ونحاول في هذا الجزء الرابع والأخير ان نقدم افكار الفلاسفة الثلاث : هوبز-اسبينوزا-روسو بشكل يتجاوز الالتباس وينسجم مع المعنى المتداول على اوسع نطاق لمفهوم الحق الطبيعي في أدبيات الفلسفة السياسية وبعض الكتب المدرسية الأجنبية (الفرنسية تحديدا)

اسبينوزا: الحق الطبيعي بين الطبيعة الشاملة والطبيعة الخاصة للإنسان
لو اكتفينا بنص اسبينوزا الوارد في الكتاب المدرسي نفسه: من يقرأ حديثه عن حق السمك في العوم في الماء والاستمتاع به، وعن حق كبيرها في التهام صغيرها بموجب حق طبيعي مطلق وبموجب طبيعة هذه الكائنات نفسها، سيخلص بشكل مشروع إلى أن “الحق الطبيعي” مرادف لحق القوة ولا يمكن لغير هذا الحق أن يسود بالنسبة للموجودات الطبيعية في سعيها للبقاء على وضعها بالنظر إلى نفسها فقط دون أي اعتبار لأي شيء أخر – وهو سعي منقوش في طبيعتها أيضا. ومن العبث مطالبة الموجودات الطبيعية بالعيش وفق نظام آخر، لأنها لم تختر هذا النظام المشتق حتميا من وجودها نفسه، ولذلك فمن العبث – كما يقول اسبينوزا- مطالبة القط بالعيش وفقا لطبيعة الأسد، لأن هذه المطالبة تعني انتفاءه كقط بكل بساطة!
هل يعني ذلك أن اسبينوزا يدعو البشر إلى العيش وفق هذا القانون الطبيعي، باعتبارهم موجودات طبيعية بدورهم؟
في سلسلة مقالات عن المرجعية الفلسفية لحقوق الإنسان على صفحات مجلة “فكر ونقد”، طرح محمد عابد الجابري نفس هذا السؤال وأجاب عنه كالتالي:

وهذا لا يعني أن سبينوزا يدعو الناس إلى العيش حسب طبيعتهم وحدها دون اعتبار لما تمليه عليهم عقولهم. كلا، إنه يؤكد: “أنه يظل من الصحيح دون شك أن من الأنفع للناس أن يعيشوا طبقا لقوانين عقولهم ومعاييرها اليقينية لأنها، كما قلنا، لا تتجه إلا إلى تحقيق ما فيه نفع حقيقي للبشر. وفضلا عن ذلك فإن كل إنسان يود العيش في أمان من كل خوف بقدر الإمكان. ولكن ذلك مستحيل ما دام كل فرد يستطيع أن يفعل ما يشاء وما دام العقل لا يعطي حقوقا تعلو على حقوق الكراهية والغضب. والواقع أنه لا يوجد إنسان واحد يعيش دون قلق وسط العداء والكراهية والغضب والمخادعة، ومن ثم لا يوجد إنسان واحد لا يحاول الخلاص من ذلك بقدر استطاعته”.

وبعبارة أخرى، فبجانب الطبيعة العامة للبشر التي تجمعهم ببقية الموجودات، يتوفر البشر على طبيعة ثانية تخصهم وهي الطبيعة العاقلة !
فالعقل كالشهوة والقوة كلاهما مبدآن طبيعيان أي مستمدان من طبيعة الكائن، ويمليان قواعدهما الخاصة على الكائنات، كل بحسب طبيعته.
ألم يطلق فلاسفة القرنيين 17 و 18 تعبير “النور الطبيعي” على العقل تمييزا له عن النور الإلاهي الذي تحتويه الكتب السماوية Ecritures
يقوا اسبينوزا:

” نستنتج من ذلك أن الحق و التنظيم الطبيعيين اللذين ينشأ فيهما جميع الناس ويعيشون بموجبهما طوال الجزء الأكبر من حياتهم، لا يحظران إلا ما لا يرغب فيه أو ما لا يستطيعه أحد؛ فهما لا يمنعان النزوع و لا الكراهية و لا الغضب و لا الخداع و لا أي شيء تدفع إليه الشهوة، ولا عجب في ذلك ؛ إذ أن الطبيعة لا تقتصر على قوانين العقل الإنساني الذي يعد هدفه الوحيد هو المنفعة الحقيقية و المحافظة على البشر، بل إنها تشمل على ما لا نهاية له من القوانين الأخرى المتعلقة بالنظام الأزلي للطبيعة بأكملها، التي لا يمثل الإنسان إلا جزءا ضئيلا منها”

يتضح مما سلف أن قوانين العقل الإنساني قوانين طبيعية لأنها جنس من قوانين الطبيعة التي تضم بطبيعة الحال ما لانهاية له من أجناس القوانين الأخرى. ولقد مثلت المطابقة بين قوانين العقل وقوانين الطبيعة الثورة المعرفية للقرن السابع عشر بامتياز كما يقول الجابري:

مع القرن السابع عشر أخذت الأمور تتغير: لقد قطع العلم الحديث وعلى رأسه علوم الطبيعة أشواطا جديدة تماما من التقدم والازدهار. وأصبح لفكرة “القانون الطبيعي” معنى آخر: لم تعد تعني، كما كان الشأن عند اليونان، مجرد النظام والترتيب الذين يسودان العالم، بل صار القانون الطبيعي وسيلة العقل البشري للسيطرة على الطبيعة: الإنسان هو الذي يكتشفه وهو الذي يستثمره لصالحه. العقل هو واضع القوانين، وقوانين العقل متطابقة مع قوانين الطبيعة، لأن الأمر يتعلق في الحقيقة بقانون واحد. لقد كانت الفكرة السائدة هي أن : “القانون كما هو في العقل الإلهي، يظهر في الطبيعة وفي العقل البشري معا، ولا تناقض بين الاثنين”. العقل البشري هو واضع القوانين والقيم، يكتشف قوانين الطبيعة بعقله، أو لنقل في عقله، ويحدد القيم التي يجب أن يعمل بها الإنسان وفقا لطبيعة الإنسان نفسه

علينا إذن أن نميز بين معنيين للحق الطبيعي: الأول مستنبطة مبادئه من قانون القوة السائد في الطبيعة وهو ليس شيئا آخر غير القوة بالمفهوم الذي تدرسه الفيزياء. ولعل المتأمل في عبارة اسبينوزا : ” كل شيء يحاول على قدر استطاعته البقاء على وضعه” لن يفوته أن يلاحظ بأن “البقاء على وضعه” ليست سوى تعبير آخر عن مبدأ العطالة الفيزيائي!! ؛ أما الحق الطبيعي في معناه الثاني فمستنبطة مبادؤه من قوانين العقل التي لا تأمر إلا بما فيه نفع حقيقي للبشر
ومن شأن عدم القيام بهذا التمييز أن يقودنا إلى التقابل الكاريكاتوري بين اسبينوزا (حق طبيعي=القوة) و روسو(حق ثقافي=التعاقد) وإلى عدم فهم كيف يوضع اسبينوزا بين منظري مقولة الحق الطبيعي وفكرة التعاقد التي قامت عليهما منذ العصور الحديثة فكرة حقوق الإنسان!
ومن المهم أن نلاحظ ان البشر باختيارهم العيش وفق قوانين العقل ومبادئه، فإنهم في الواقع يستمرون في العيش تحت مظلة الحق الطبيعي، ولكن بالمعنى الثاني. وفي هذه الحالة يفهم من الحق الطبيعي ذلك الحق المستمدة مبادؤه من العقل، وهو نفس المعنى الذي نجده عند كانط أيضا
لكن، ماذا يعني العيش وفق قوانين العقل؟ لايعني شيئا آخر غير تأسيس الحياة الاجتماعية على التعاقد والاتفاق على مبدأ عقلي بسيط لايمكن لأحد ان يتنصل من الوفاء به دون الوقوع في التناقض، أودون أن يبدو فاقدا للحس السليم بتعبير اسبينوزا، ومفاد هذا المبدأ العقلي: “عامل الآخرين بمثل ما تحب أن تعامل به” هذا المبدأ الذي يجعل وحده العيش المشترك ممكنا.
ومرة اخرى نكتشف تهافت التصور الذي يجعل روسو المفكر الوحيد الممثل للنظرية التعاقدية في درس الحق دون هوبز واسبينوزا !
لنلاحظ عند اسبينوز أن وصف حالة الطبيعة والحق السائد فيها يؤدي وظيفة منهجية أي أنه ليس سوى مقدمة منطقية لإعلان ضرورة التعاقد في ما يشبه الإستنباط العقلي والاستلزام المنطقي. يقول فيلسوف أمستردام:

” لنلحظ أيضا أن الناس يعيشون في شقاء عظيم إذا لم يتعاونوا، و يظلون عبيدا لضرورات الحياة إن لم ينموا عقولهم. و من ثم يظهر لنا بوضوح تام أنه لكي يعيش الناس في أمان و على أفضل نحو ممكن، كان لزاما عليهم أن يسعوا إلى التوحيد في نظام واحد، و كان من نتيجة ذلك أن الحق الذي كان لدى كل منهم، بحكم الطبيعة، على الأشياء جميعا، أصبح ينتمي إلى الجماعة”

ألا يتأسس الحق هنا في نهاية المطاف على ماهو ثقافي؟ إذا فهم من “الثقافي” تلك المبادئ والقيم التي تسفر عنها المواضعة والاتفاق داخل جماعة ما ويتواتر العمل بها واحترامها كقاعدة (ليفي شتراوس)
ولكننا قررنا كذلك سابقا أن العقل نور طبيعي ومن ثم تكون مبادئ الحق المؤسس عليه طبيعية بمعنى من المعاني؟ أليس ذلك وقوعا في التناقض؟ كلا، إذ ليس لهذا التناقض الظاهري سوى أن التقابل أو الزوج المفاهيمي: “طبيعي / ثقافي” هو تقابل مصطنع، أو لنقل بأنه قدم به في الكتاب المدرسي بشكل غير ملائم وغير وجيه (impertinent) ولا يسمح ببناء الأطروحات الفلسفية – التي يمدنا بها تاريخ الفلسفة – ضمن تصورات منسجمة ومتماسكة ،تتحاشى السقوط في الالتباس وفي التلبيس على المتعلمين !

هوبز والتمييز بين الحق الطبيعي والقانون الطبيعي
لنتأمل حالة هوبز والذي لايختلف عن فيلسوف امستردام إلا قليلا في مسعاه المنهجي لأنهما ينتميان إلى نفس الباراديغم السائد في القرن السابع عشر:
يقول هوبز:

“إن الحق الطبيعي، الذي يسميه الكتاب عادة بالعدل الطبيعي Jus Naturals معناه: حرية كل واحد في العمل بكامل قوته، وكما يحلو له، من أجل الحفاظ على طبيعته الخاصة، وبعبارة أخرى على حياته الخاصة، وبالتالي القيام بكل ما يبدو له، حسب تقديره الخاص وعقله الخاص، أنه أنسب وسيلة لتحقيق هذا الغرض”.

عند هذا الحد، سيكون هوبز فعلا منظرا ومدافعا عن التصور الطبيعي للحق باعتباره حق القوة، لو لم يكن يحرص على التمييز بين مفهومي ” الحق الطبيعي” بالمعنى السابق ذكره و ” القانون الطبيعي” الذي يعرفه كالتالي:

“القانون الطبيعي هو قانون، بمعنى قاعدة من صميم العقل البشري، يمنع الناس من القيام بما يقودهم إلى الهلاك الذي لابد أن يجرهم إليه تمسك كل منهم بحقوقه كاملة”

ويعلق الجابري على هذا التمييز المفاهيمي بالقول:

“الحق الطبيعي”، الذي تعطيه الطبيعة، يعطي الإنسان كل شيء. أما “القانون الطبيعي”، الذي يصدر من طبيعة عقل الإنسان نفسه فهو يعين ويحدد الطريقة الأكثر ملاءمة للحفاظ على الحقوق الطبيعية وعلى رأسها حق البقاء. إن العقل يملي على الإنسان فكرة على درجة كبيرة من الأهمية، فكرة التنازل عن حقه الطبيعي، الذي يعني حرية التصرف بدون قيود، والدخول مع الآخرين في حال من السلم، قوامها الكف عن الاقتتال والتحرر من الخوف. هذا التنازل عن “الحق الطبيعي” هو أساس الدولة وهو العقد الاجتماعي

هكذا، وبعد وصفه لحالة الطبيعة و” أهوالها” ينتهي هوبز إلى ضرورة التعاقد والاتفاق على “شيء ما” بدونه لاتقوم للحياة الاجتماعية الآمنة أية قائمة. نقول “شيء ما” لأن مضمون التعاقد يختلف باختلاف الفلاسفة وباختلاف تاويلات مؤرخي الفلسفة لفكر هؤلاء الفلاسفة: هناك اتفاق على صورة “التعاقد” دون “مادته”.
يقول هوبز في الفصل السابع عشر من الليفياتان:”

أتخلى لهذا الرجل او لهذه الجماعة من الرجال عن حقي في أن أفعل بنفسي ما أشاء، شريطة أن تفعل أنت الشيء نفسه. بهذه الوسيلة يكون الأفراد شخصا أو كيانا واحدا هو الدولة او الجماعة community ، ويخرج إلى الوجود هذا الليفياتان او الإله الفاني الذين ندين له بالسلام والحماية”

—-
هناك إذن عند هوبز كما عند اسبينوزا استخدام مزدوج لمفهوم الحق الطبيعي: يوضع المعنى الأول كمعطى بدئي تستنبط نتائجه الكارثية (حالة حرب الكل ضد الكل) ليحل محله المعنى الثاني كشرط لتجاوز حالة الحرب وقيام الحياة الاجتماعية
وقد أرجع الجابري هذه الإزدواجية إلى أن أوربا القرن السابع عشر شهدت تيارين في موضوع الحق الطبيعي : تيار يتخذ الطبيعة الإنسانية، وبالتالي العقل البشري نفسه، مرجعية له، وتيار يتمسك بالطبيعة بمعنى نظام الكون وقوانينه.

هل يصح بعد هذا أن نضع هوبز ضمن ” التصور الطبيعي” للحق -المختزل إلى حق القوة- ضد فلاسفة التعاقد والتأسيس الثقافي للحق؟
صحيح أن هناك من يرى في أفكار هوبز تبريرا وشرعنة وتنظيرا للحكم المطلق، ولكن حتى في هذه الحالة ألم ينجم هذا الحكم المطلق عن تعاقد؟ هل هو استمرار يستنسخ حرفيا مبدأ القوة المعمول به في حالة الطبيعة الافتراضية؟
ثم الا نعثر عند هوبز نفسه عما يمكن اعتبارها تأسيسا لفكرة المساواة الطبيعية المبدئية بين البشر، التي سيطورها مواطنه جون لوك بشكل خاص، تلك المساواة التي تحجبها المواضعات والأعراف الاجتماعية:
يقول هوبز في الفصل الثالث عشر من الليفياتان:

“لقد خلقت الطبيعة البشر متساوين إلى أبعد الحدود فيما يتعلق بقدراتهم الجسمانية والعقلية. قد نعثر أحيانا على رجل أقوى جسما من الآخرين أو أسرع بديهة وأكثر ذكاءا منهم، ولكن هذا الفرق لا يبلغ درجة تجوز له ان يدعي لنفسه امتيازا لا يحق للآخرين إدعاء مثله”

في جميع الأحوال، وكيفما كان تأويلنا للفلسفة السياسية لطوماس هوبز، فإن من الصعب أن نضع هوبز بجانب السوفسطائي غلوكون الذي يجعل سيطرة القادر على غير القادر واستئثار القوي بنصيب أكبر من نصيب الضعيف هو عين العدالة الطبيعية؛ وليس من اليسير كذلك أن ننسب له تصورا فلسفيا يتأسس الحق بموجبه على ماهو طبيعي بيولوجي، في الوقت الذي يثبت فيه إستحالة هذا التأسيس ولا يتردد في وصف وضعية الإنسان في حالة الطبيعة بالحياة البائسة، بل إن وصف حالة الطبيعة والحق الطبيعي السائد فيها إنما يقصد منه البرهنة – عند هوبز كما عند اسبينوزا – بأنه لاوجود لخير او عدالة في ذاتهما وبشكل طبيعي، وأن أفعال الإنسان لاتخضع للتقويم الأخلاقي ولايمكن ان توصف بالخير او الشر، بالفضيلة او الرذيلة إلا بعد التعاقد والاتفاق على مبادئ ومعايير التصرف والسلوك بين أفراد الجماعة
لمزيد من الاطلاع أنظر نص هوبز هنا: نص طوماس هوبز: الإنسان ذئب للإنسان

كما انه من قبيل التبسيط مقابلة حق طبيعي قائم على حق القوة بحق ثقافي قائم على قوة الحق، لسبب بسيط أن ما سمي في الكتاب المدرسي “حقا ثقافيا” يفرزه التعاقد نظريا ومثاليا وتصونه الدولة والمؤسسات عمليا ، قد لايكون سوى إحتكار للإستعمال المشروع للعنف حسب تعريف “فيبر” للدولة. وللأسف الشديد فقد ترسخ عند غالبية المتعلمين تصور تبسيطي يقضي بأن الحق الطبيعي مرادف للقوة في حين أن احترام الطبيعة النوعية الأخلاقية للإنسان لايتأتى إلا في ظل “الحق الثقافي” !!

مقولة “الحق الطبيعي” عند روسو
بقي لنا الآن ان ننظر في الفلسفة السياسية عند روسو وفي موقفه من مقولة الحق الطبيعي.
قُدِم روسو في الكتاب المدرسي في فقرة بُدأت بإعلان ” إفلاس الحق الطبيعي” والذي استنتج منه

استحالة تأسيس الحق بكيفية قبلية (؟) وتجذيره في الطبيعة وأنه لايستقيم إلا باعتبار الغايات التي يخدمها من تعايش وتعاقد وانطلاقا من الميزة النوعية للإنسان والمتمثلة في كونه حيوانا عاقلا واجتماعيا وثقافيا.

إن إدراج الطرح الروسوي بعد هذه العبارات يوحي بانه من أنصار التأسيس الثقافي للحق تأسيسا يتجاوز ما سمي “إفلاس الحق الطبيعي”.
إذا كان دفاع روسو عن فكرة العقد الاجتماعي والتعاقد كأصل للجسم الاجتماعي وللسلطة السياسية ليس موضوع خلاف، فإن وضعه خارج نظرية الحق الطبيعي يثير أكثر من علامة استفهام، خصوصا وأن روسو يصف في الكثير من نصوصه بعض حقوق الإنسان الحرية بكونها حقا طبيعيا.
كيف يمكن ان نفهم هذه العبارة الواردة في مؤلف موازي موجه للمتعلمين هو كتاب ” الكتابة الفلسفية في الامتحان الوطني للباكالوريا”، في الصفحة 45:

“أكد روسو على فكرة التعاقد رافضا كل تأسيس للحق على القوة والعنف، مثلما رفض الحديث عن حقوق طبيعية مستمدة من العقل”

إذا كان مضمون الشق الأول من العبارة غير مختلف حوله، فإن الشق الثاني لايمكن ألا يثير الإندهاش: كيف يرفض روسو الحديث عن حقوق طبيعية مستمدة من العقل؟
إذا لم تستمد من العقل، فمن أين تستمد إذن؟ من التعاقد؟ ولكن مالذي يبرر التنصيص في بنود التعاقد على حق الحرية عوض العبودية؟ مالذي يبرر التنصيص أثناء التعاقد على المساواة عوض نظام تراتبي من النوع الأرستقراطي؟ وباختصار، مم تستمد مبادئ الحق المنصوص عليها في التعاقد؟ ألم تظهر مقولة الحق الطبيعي وحالة الطبيعة المفترضة لحل هذه المعضلة الفلسفية بامتياز أي معضلة الأسس؟ والتي انتبهت إلى أهميتها مؤخرا توجيهات نونبر2006 فجعلتها الإشكالية المحورية لدرس الحق العدالة
سأكتفي بإيراد هذا الاقتباس من كتاب روسو ” أصل التفاوت بين الناس” تاركا للقارئ مهمة الاستنتاج، لأن لاشيء يمكن أن يفصح عن فكر الفيلسوف أفضل من نصوصه:

“لن أقف قط عند البحث في أن الحرية إذا كانت أشرف خصائص الإنسان، فإنه من باب تشويه الطبيعة والانحطاط إلى مستوى البهائم عبيد الغريزة، والإهانة لباري وجوده، أن يتنازل هذا الإنسان دون تحفظ عن أثمن نعم ربه ليطيع سيدا ضاريا أحمق (…)
يقول “بوفندورف” إنه كما ينقل الإنسان ملكية ماله إلى الآخرين بموجب عقود وعهود، كذلك يمكنه ان يجرد نفسه من حريته لمصلحة غيره؛ ويلوح لي ان هذا قياس فاسد، وذلك لأن المال الذي اتنازل عنه يصبح غريبا عني ويغدو سوء استعماله أمرا لايعنيني، ولكن مما يهمني ألا يساء استعمال حريتي، ولايكمنني أن أكون أداة لجريمة أرغم على اقترافها وأنا عبد مملوك دون ان أتحمل وزر ذلك. وزد على ذلك : فإنه لما كان حق الملكية ليس سوى نتيجة عهود ومما أنشأه الناس، فإن كل إنسان يمكنه ان يتصرف فيما يحوزه كما يطيب له، ولكن الأمر مختلف في ما يتعلق بهبات الطبيعة الجوهرية مثل الحياة والحرية اللتين يباح لكل إنسان التمتع بهما (…) لأن التنازل عن أحدهما أيا كان الثمن هو إهانة للطبيعة والعقل. ولكن على افتراض إمكان تصرف الإنسان في حريته كما يتصرف في ماله، فإن الفرق يظل بينا جدا في ما يتعلق بالأولاد الذين لايتمتعون بمال أبيهم إلا بانتقال حقه إليهم، بينما أن الحرية لما كانت هبة من الطبيعة قد وهبت لهم لكونهم بشرا، فليس لآبائهم أي حق في تجريدهم منها (عن طريق بيعهم)… والفقهاء الذين قضوا بكل وقار بأن ولد العبد يولد عبدا، كأنهم قضوا بأن الإنسان لايولد إنسانا !”

يتبين إذن أن القول برفض روسو الحديث عن حقوق طبيعية مستمدة من العقل هو قول يصعب الدفاع عنه أمام ما تنطق به نصوص فيلسوف جنيف نفسه
كما يتبين أيضا أن معارضة هوبز واسبينوزا بروسو على محور طبيعي/ثقافي تبدو معارضة فيها الكثير من التكلف والاصطناع، الذي حاول البرنامج الجديد نونبر2006 التخلص منه. وذلك لأن التعارض الأساسي في إشكالية الحق لايقوم بين الأساس الطبيعي (القوة) والأساس الثقافي(التعاقد) بل بين مقولتي الحق الطبيعي والحق الوضعي، من حيث ان الأولى تؤسس الحق على ماهية او طبيعة إنسانية كونية او مبادئ عقلية سابقة على ظهور المجتمع ومستقلة عن الخصوصيات الثقافية، بينما ترفض الثانية -كما عند هتنز كيلسن – هذا التأسيس بدعوى ميتافيزيقيته لتجعل من الملابسات التاريخية وموازين القوى داخل تشكيلة اجتماعية معينة الأصل الموضوعي والنسبي والقابل للمعاينة لكل مبادئ الحق
وبعبارة أخرى، فالتقابل، عند النظر في إشكالية الحق، لا يقوم بين الطبيعة والثقافة أو بين الهمجية والحضارة، بل يقع التقابل في قلب الثقافة والحضارة نفسها: فهذه المؤسسات ، مم تستمد شرعيتها؟ وهذه والقوانين المكتوب منها وغير المكتوب مم استنبطت ؟ علام أعتمد المشرعون في وضعها؟ هل يمكن أن تشرعن القوانين الوضعية ذاتها بذاتها؟ وتؤازر بعضها بعضا أو تحيل على نفسها بشكل دائري؟ وفي هذه الحالة كيف يمكن المقارنة والمفاضلة بين الأنظمة القانونية كما تساءل كل من هانز كيلسن وليو ستراوس؟ أوليست الحق السائد في ظل الثقافة وحالة الاجتماع مجرد استمرار للهمجية والعنف والقوة بشكل مقنع ومقنن codifié

Facebooktwittergoogle_plusredditmailby feather

تعليقاتكم وتفاعلاتكم

تعليقات وملاحظات

أحدث التعليقات
  1. unnamed

    نشكرك على هذا الموضوع القيم فالواجب هو مراجعة المقالات ودراستها لا الاستعانة بالمواقف القصيرة الجاهزة

  2. LATIFA

    ان الدرس جميل نشكركم على هذه الملاحطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *